تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
لثوابه ؛ لأنهما اليوم فاقدان للبصيرة ، غير قابلين للاهتداء ؛ لتغييرهما الفطرة الأصلية بالتمرّن في الضلالة والتمادي في الغى .
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
كما يزعم من يقول : الملائكة بنات اللّه ، والمسيح وعزيز ابن اللّه ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ،
لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ
أي : لاختار من خلقه ما يشاء ، ممن له مناسبة صمدانية ، كالملائكة ، فإنهم منزهون عن نقائص البشرية ، كالأ كل والشرب والنّكاح ، لكن لم يرد ذلك ؛ لاستحالته في حقه تعالى . قال القشيري : خاطبهم على قدر عقولهم وعقائدهم ، فقال : لو أراد اللّه أن يتخذ ولدا بالتبنّي والكرامة لاختار من الملائكة ، الذين هم مبرءون من الأكل والشرب وأوصاف الخلق ، ثم أخبر عن تقدّسه عن ذلك ، فقال :
سُبْحانَهُ
أي : تنزيها له عن اتخاذ الولد على الحقيقة ؛ لاستحالة معناه في نعته ، ولا بالتبني ، لتقدّسه عن الجنسية ، والمحالات تدل على وجه الإبعاد . ه . والحاصل : أن الولد في حقه تعالى ؛ إن كان عن طريق التولد فهو محال ، عقلا ونقلا ، وإن كان عن طريق التبني والكرامة فمحال سمعا ، وقيل : وعقلا . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرّحمن الفاسي رضي اللّه عنه : قوله ، أي : القشيري : لتقدسه عن الجنسية ، يعنى لوحدته وقهره ، كما رمز إلى ذلك بذكر الاسمين ، أي : الواحد القهار ، وهما عاملان في كل مخلوق ، ومحال تعطيلهما بالتبني المقتضى للجنسية ، المباينة للوحدانية والقهر ، فلا يمكن إلا العبودية ، عقلا ، ونقلا ، وحقيقة ، وهذا أشد من كلام ابن عطية ، فإنه جوّز اتخاذه على جهة التشريف والتبني عقلا ، وإن امتنع شرعا ، لعموم آية :
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
« 1 » ؛ لاتخاذ النّسل المستحيل عقلا ونقلا ، ولاتخاذ الاصطفاء الممتنع شرعا . وهو أيضا أشدّ من كلام الزمخشري ، حيث قال : معنى الآية : لو أراد اللّه اتخاذ الولد لا متنع ذلك ، ولكنه يصطفى من يشاء من عباده ، على وجه الاختصاص والتقريب ، لا على وجه اتخاذه ولدا . ه . فأجعل في الامتناع ، وإن كان المتبادر منه شمول القسمين ، وكذا قرر جواب « لو » ، أي : لامتنع ، وجعل قوله :
لَاصْطَفى
الذي هو ظاهر في كونه جوابا غير جواب « بل » على معنى الاستئناف ، وهو خلاف المطروق والمفهوم من جرى الكلام . واللّه أعلم . وما ذكره الزمخشري أيضا من الامتناع مع الإرادة هو فرض لتعلق الإرادة بالممتنع ، وهي إنما تتعلق بالجائز ، ويحتمل بناؤه على مذهبه الفاسد في إرادة بعض ما لم يقع ، وهو شنيع مذهبه ، بل ويلزمه عود القهر
هامش
( 1 ) الآية 92 من سورة مريم .