تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
عليه - تعالى عن ذلك ، وهو اللّه الواحد القهار ، فكيف يريد ويمتنع ما يريده ؟ ! وهل ذلك إلا عين القهر ؟ تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ه . قال تعالى :
سُبْحانَهُ
أي : تنزّه بالذات عن اتخاذ الولد ، تنزهه الخاص به ، على أن " سبحان " مصدر ، من : سبّح : إذا بعّد .
هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
: استئناف مبيّن لتنزهه بحسب الصفات ، إثر بيان تنزهه عنه بحسب الذات ، فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال ، النافية لسمات النّقصان ، والوحدة الذاتية ، الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق ، مما يقتضى تنزهه تعالى عما قالوه ، قضاء متيقنا ، وكذا وصف [ القهارية ] « 1 » ؛ لأن اتخاذ الولد شأن من يكون تحت ملكوت الغير ، عرضة للفناء ، ليقوم الولد مقامه عند فنائه ، ومن هو مستحيل الفناء ، قهار لكل الكائنات ، كيف يتصور أن يتخذ من الأسماء الفانية من يقوم مقامه ؟ قاله أبو السعود . الإشارة : الحق سبحانه غيور ، لا يرضى لغيره أن يعبد معه غيره ، كان على وجه الواسطة والتقريب ، أو : على وجه الاستقلال . لذلك حرم السجود لغير اللّه ، وأما الخضوع للأولياء ، العارفين باللّه ، على غير وجه العبادة ، فهو عين الخضوع للّه ؛ لأن اللّه تعالى أمر بالخضوع للرسل ، الدالين على اللّه ، وهم ورثتهم في الدلالة ، لكن لا يكون ذلك على هيئة السجود ، وإنما يكون على وجه تقبيل القدم أو الأرض بين أيديهم ، كما قال الشاعر :
يا من يلوم خمرة المحبة * فخذوا عنى هي حلال
ومن يرد يسقى منها عبه * خدّ يضع لأقدام الرّجال
رأسي حططت بكلّ شيبه * هم الموالي سقونى زلال
وجعل القشيري مناط الرّد على الكفرة حيث فعلوا ذلك ، وقالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه ، بغير إذن اللّه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم . فردّ اللّه عليهم . قال : وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب ، بنشاط نفسه ، من غير أن يقتضيه حكم الوقت ، وما يعقد بينه وبين اللّه تعالى من عقود لا يفي بها ، وكان ذلك اتباع هوى . قال اللّه تعالى :
فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
« 2 » . قلت : ولأجل هذا وجب على من أراد الوصول إلى اللّه أن يتخذ شيخا عارفا بأحكام الوقت ، ذا بصيرة بدسائس النّفس ، فيأمره في كل وقت ، وفي كل زمان ، بما يناسبه ؛ ليخرجه من هوى نفسه ، وأسر طبعه ، وإلا بقي في العنت والبعد عن اللّه ، يعبد اللّه على حرف ، كلما زاد عبادة وقربا - في
هامش
( 1 ) في الأصول : القاهرية . ( 2 ) من الآية 27 من سور الحديد