تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
، لمّا ذكر ما يتعلق بالعالم العلوي ، ذكر ما يتعلق بالعالم السفلى ، وترك العاطف للإيذان باستقلاله في الدلالة على الوحدانية ، وبدأ بالإنسان ؛ لأنه المقصود الأهم من هذا العالم ، ولعراقته في الدلالة على توحيد الحق وباهر قدرته ؛ لما فيه من تعاجيب آثار القدرة ، وأسرار الحكمة ، وأصالته في المعرفة ؛ فإن الإنسان بحال نفسه أعرف ، والمراد بالنفس : نفس آدم - عليه السّلام .
ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
: عطف على محذوف ، صفة لنفس ، أي : من نفس خلقها ثم جعل منها زوجها ، أو : على معنى : واحدة ، أي : نفس وجدت ثم جعل منها زوجها حواء ، وعطفت بثم دلالة على مباينتها له فضلا ومزية ، فهو من التراخي في الحال والمنزلة ، مع التراخي في الزمان . وقيل : أخرج ذرية آدم من ظهره كالذّر ، ثم أخرج منه حوّاء ، ففيه ثلاث آيات ؛ خلق آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من قصيراه « 1 » ، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ
أي : قضى وجعل ، أو : خلقها في الجنة مع آدم عليه السّلام ، ثم أنزلها ، أو : أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء ، كالأمطار ، وأشعة الكواكب ، كما تقول الفلاسفة .
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
ذكرا وأنثى ، وهي : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز . فالزوج اسم لواحد معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد ، ووتر .
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
: استئناف ؛ لبيان كيفية خلقهم ، وأطواهم المختلفة ، الدالة على القدرة القاهرة . وصيغة المضارع للدلالة على التجرد .
خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
: مصدر مؤكد ، أي : يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق ، أي : خلقا مدرّجا ، حيوانا سويا ، من بعد عظام مكسوة لحما ، من بعد عظام عارية ، من بعد مضغة مخلّقة ، من بعد مضغة غير مخلّقة ، من بعد علقة ، من بعد نطفة ،
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
: ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، أو : ظلمة الصلب ، والبطن ، والرّحم .
ذلِكُمُ
: إشارة إلى الحق تعالى ، باعتبار أفعاله المذكورة ، وهو مبتدأ ، وما فيه من معنى البعد ؛ للإيذان ببعد منزلته في العظمة والكبرياء ، أي : ذلكم العظيم الشأن ، الذي عددت أفعاله هو
اللَّهُ رَبُّكُمْ
أي : مربيكم بنعمة الإيجاد على الأطوار المتقدمة ، وبنعمة الإمداد بعد نفخ الرّوح فيه .
لَهُ الْمُلْكُ
: التصرف التام على الإطلاق في الدارين .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
: لا متصرف غيره .
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
: فكيف تصرفون عن عادته تعالى ، مع وفور دواعيها ، وانتفاء الصارف عنها بالكلية ، إلى عبادة غيره ، من غير داع إليها ، مع كثرة الصوارف عنها ؟ واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) « قصيراه » : مثنى القصيرى ، والقصيران : ضلعان تليان الترقوتين والقصيرى : أسفل الأضلاع . وقيل : هي آخر الجنب . انظر اللسان ( 5 / 3649 مادة قصر ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 53 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان