ثم رد على المشركين ، فقال :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا . . .
قلت : « والذين » : مبتدأ ، و
ما نَعْبُدُهُمْ
: محكى بقول محذوف ، حال من واو « اتخذوا » وجملة « إن اللّه » : خبر ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل ، و « زلفى » : مصدر .
يقول الحق جل جلاله :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
أي : لم يخلصوا في عبادتهم ، بل شاوبوها بعبادة غيره ، كالأصنام ، والملائكة ، وعيسى ، قائلين :
ما نَعْبُدُهُمْ
لشئ من الأشياء
إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
أي : تقريبا ،
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
وبين خصمائهم ، الذين هم المخلصون للدين ، وقد حذف لدلالة الحال عليه ، كقوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
« 1 » على أحد الوجهين ، أي : بين أحد منهم وبين غيره . قيل :
كان المسلمون إذا قالوا للمشركين : من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا : اللّه ، فإذا قالوا لهم : فمالكم تعبدون الأصنام ؟
قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى « 2 » .
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ
يوم القيامة بين المتنازعين من المسلمين والمشركين
فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
من التوحيد والإشراك ، وادعاء كل واحد صحّة ما انتحله . وحكمه تعالى هو إدخال الموحدين الجنة والمشركين النّار .
وقيل : الموصول واقع على الأصنام ، والعائد محذوف ، أي : والذين اتخذوهم من دونه أولياء ، قائلين : ما نعبدهم . . .
إلخ ، إن اللّه يحكم بينهم ، أي : بين العبدة والمعبودين فيما هم فيه يختلفون ، حيث يرجون منها شفاعتها وهي تلعنهم ، وهذا بعيد .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
: لا يوفّق للاهتداء
مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
أي : راسخ في الكذب ، مبالغ في الكفر ، كما يعرب عنه قراءة من قرأ : « كذاب » أو : « كذوب » « 3 » ، أي : لا يهديهما اليوم لدينه ؛ لسابق الشقاء ، ولا في الآخرة
هامش
( 1 ) من الآية 285 من سورة البقرة .
( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 7 / 108 ) عن قتادة .
( 3 ) قرأ أنس بن مالك ، والحسن ، والأعرج ، وابن يعمر : « كذّاب » ، وقرأ زيد بن علىّ : « كذّوب » . . . انظر البحر المحيط ( 7 / 399 ) .