تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
واحد ؟ وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنّهى ، فكذبهم ما صدر منهم من هذه المقالات المضطربة ،
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
يجاوزون الحدود في المكابرة والعناد ، ولا يحومون حول الرّشد والسداد . وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز .
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ
؛ اختلقته من تلقاء نفسه ،
بَلْ لا يُؤْمِنُونَ
، ردّ عليهم ، أي : ليس الأمر كما زعموا ، بل لكفرهم وعنادهم يقذفون بهذه الأباطيل ، التي لا يخفى بطلانها على أحد ، فكيف يقدر البشر أن يأتي بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم ،
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
أي : مثل القرآن في البلاغة والإعجاز
إِنْ كانُوا صادِقِينَ
في أن محمدا تقوّله من تلقاء نفسه ؛ لأنه بلغاتهم ، وهم فصحاء ، مشاركون له صلّى اللّه عليه وسلم في العربية والبلاغة ، مع ما لهم من طول الممارسة للخطب والأشعار ، وكثرة المقاولة للنظم والنّثر ، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام ، ولا ريب في أنّ القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به مع دواعي الأمر بذلك من تعجيزهم وإفحامهم وطلب معارضتهم .
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
أي : أم أحدثوا وقدّروا هذا التقدير البديع ، الذي عليه فطرتهم ، من غير محدث ومقدّر . أو : أم خلقوا من غير شئ من الحكمة ، بأن خلقوا عبثا ، فلا يتوجه عليهم حساب ولا عقاب ؟
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
؛ الموجدون لأنفسهم ؟ فيلزم عليه الدور ، وهو تقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها ،
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فلا يعبدون خالقهما
بَلْ لا يُوقِنُونَ
؛ لا يتدبرون في الآيات ، فيعلمون خالقهم ، وخالق السماوات والأرض ، فيفردونه بالعبادة .
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ
من النّبوة والرّزق وغيرهما ، فيخصّوا بما شاءوا من شاءوا ،
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
أي : الأرباب الغالبون ، المسلّطون على الأمور يدبرونها كيف شاءوا ، حتى يدبروا أمر الرّبوبية ، ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم . وقرأ المكي والشامي بالسين على الأصل .
أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ
منصوب يرتقون به إلى السماء ،
يَسْتَمِعُونَ فِيهِ
كلام الملائكة ، وما يوحى إليهم من علم الغيب ، حتى يعلموا أن ما هم عليه حق ، وما عليه غيرهم باطل ، أو ما هو كائن من الأمور التي يتفوّهون بها رجما بالغيب ، ويعلّقون بها أطماعهم الفارغة من هلاكه صلّى اللّه عليه وسلم قبلهم ، وانفرادهم بالرئاسة . و « في » : سببية ، أي : يستمعون بسبب حصولهم فيه ، أو : ضمّن « يستمعون » يعرجون . وقال الزجاج : ( يستمعون فيه ) أي : عليه ،
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
؛ بحجة واضحة ، تصدق استماع مستمعهم .