تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
مناشبتهم القتال ، وقصد قتله خفية ، وليس يجرى في نفخة الصعق شئ من الكيد والحيل ، فلا يليق حمله عليه « 1 » .
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
من جهة الغير في دفع العذاب عنهم .
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : لهم ، ووضع الموصول موضع الضمير تسجيلا عليهم بالظلم ، أي : وإنّ لهؤلاء الظلمة
عَذاباً
آخر
دُونَ ذلِكَ
؛ دون ما لا قوة من القتل ، أي : قبله ، وهو القحط الذي أصابهم ، حتى أكلوا الجلود والميتة . أو : وإنّ لهم عذابا دون ذلك ، أي : وراءه ، وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن الأمر كما ذكر ، وفيه إشارة إلى أن فيهم من يعلم ذلك ، وإنما يصر على ذلك عنادا أو : لا يعلمون شيئا أصلا ؛ إذ هم جاهلية جهلاء . الإشارة : أهل الحسد والعناد لا ينفعهم ما يرونه من المعجزات والكرامات ، أو الحسد يغطى نور البصيرة ، فذرهم في غفلتهم وحيرتهم ، وكثافة حجابهم ، حتى يصعقوا بالموت ؛ فيعرفون الحق ، حين لا تنفع المعرفة فيقع النّدم والتحسّر . وإنّ لهم عذابا دون ذلك ، وهو عيشهم في الدنيا عيش ضنك في هم وغم وجزع وهلع ، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ذلك ؛ لأنهم لا يرون إلا من هو مثلهم . ومن توسعت دائرة معرفته ، فعاش في روح وريحان ، فهو غائب عنهم ، لا يعرفون مقامه ، ولا منزلته . ثم أمر بالصبر ، الذي هو عنوان الظفر بكلّ مطلوب ، فقال :

[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 48 إلى 49 ]

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ( 48 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ ( 49 ) يقول الحق جل جلاله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ولمن كان على قدمه :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
بإمهالهم إلى اليوم الموعود مع مقاساتك آذاهم ، أو : واصبر لما حكم به عليك من شدائد الوقت ، وإذاية الخلق ،
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
أي : حفظنا وحمايتنا ، بحيث نراقبك ونكلؤك . والمراد بالحكم : القضاء السابق ، أي : لما قضى به عليك ، وفي إضافة الحكم إلى عنوان الرّبوبية تهييج على الصبر ، وحمل عليه ، أي : إنما هو حكم سيدك الذي يربيك ويقوم بأمورك وحفظك ، فما فيه إلا نفعك ورفعة قدرك . وجمع العين والضمير للإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ والرّعاية .
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي : نزّهه ملتبسا بحمده على نعمائه الفائتة للحصر ،
حِينَ تَقُومُ
أي : من أىّ مكان قمت ، أو : من
هامش
( 1 ) بل يليق حمله على نفخة الصعق ، على أن يكون المراد بكيدهم : ما كادوا به في الدنيا .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 497 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان