تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
الإشارة : إنّ المتقين ما سوى اللّه في جنات المعارف عاجلا ، وجنات الزخارف والمعارف آجلا ، ونعيم المشاهدات والمكاشفات والمناجاة ، فاكهين ، معجبين ، متلذذين بما آتاهم ربهم من أصناف ألطافه ، وتقريبه ، ووقاهم ربّهم عذاب الجحيم ، أي : نار شهوة نفوسهم ، فبردت عنهم ، وسلموا منها ، كلوا من طعام المشاهدات ، واشربوا من أمداد الزيادات والترقيات ، هنيئا بما كنتم تعملون من المجاهدات والمكابدات ، متكئين على سرر المقامات ، والدرجات ، مصفوفة في منازل العبودية ، وزوجناهم بحور عين من أبكار الحقائق ، وثيبات العلوم ، والذين آمنوا بهذه الطريق وسلكوها ، واتبعتهم ذريتهم ومن تعلق بهم من طلاب الحق ، ألحقنا بهم ذريتهم ومن تعلق بهم ، وإن لم يبلغوا صفاء مشربهم من الوصال والاتصال ، فيكونون معهم في الدرجة ، مع تفاوتهم في نعيم المشاهدة ، وما ألتناهم من عملهم من شئ ، بل ألحقناهم بهم فضلا وكرما ، مع توفر ثواب عمل الملحق بهم . كل امرئ بما كسب رهين ، لا يزيد نعيم روحه على سعيه في الدنيا ومجاهدته ، وإن تساوى في الدرجة مع غيره . وأمددناهم بفاكهة من حلاوة المعاملة ، ولحم مما يشتهون من لذائذ المشاهدة ، يتنازعون فيها ؛ في جنة المعارف ، كأس خمرة المحبة والفناء ، فيفنون عن وجودهم في شهود محبوبهم . يتناولون ذلك من أشياخهم واحدا بعد واحد ، وقد يجتمعون في كأس واحدة ، لا لغو فيها ، أي : لا حديث للنفس في حال شربها ، بل الهم كله مجموع فيها ، كما قال القائل :
وإذا جلست إلى المدام وشربه * فاجعل حديثك كلّه في الكأس
فالخمرة التي يشوبها شئ من حديث النّفس ليست بصافية من الأكدار . ولا تأثيم بنزوع الرّوح إلى طبع النفس ، إذا نزلت إلى سماء الحقوق ، أو أرض الحظوظ ، بل تكون في ذلك باللّه ، ومن اللّه ، وإلى اللّه ، تنزل بالإذن والتمكين ، والرّسوخ في اليقين ، جعلنا اللّه من ذلك القبيل بمنّه وكرمه . وقال الورتجبي :
يَتَنازَعُونَ . . .
الآية ، وصفهم اللّه في شربهم كاسات شراب الوصلة بالمسارعة والشوق إلى مزيد القربة ، ثم وصف شرابهم أنه يورثهم التمكين والاستقامة في السكر ، لا يزول حالهم إلى الشطح والعربدة ، وما يتكلم به سكارى المعرفة في الدنيا عند الخلق ، ولا يشابه حال أهل الحضرة حال أهل الدنيا من جميع المعاني . ه . ثم قال تعالى :

[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 24 إلى 28 ]

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 )
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 491 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان