تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
فضول ، فمن سأل باللّه فيما ليس عليه ولا عليك فرضه ، فإعطاؤك إياه لإجلال حق اللّه وتعظيمه ، وليس عليك بفرض ولا حتم . انظر تمامه في الحاشية الفاسية . الإشارة : إنّ المتقين ما سوى اللّه في جنات المعارف ، وعيون العلوم والأسرار . قال القشيري : في عاجلهم في جنة الوصل ، وفي آجلهم في جنة الفضل ، فغدا نجاة ودرجات ، واليوم قربات ومناجاة . ه . ( آخذين ما آتاهم ربهم ) من فنون المواهب والأسرار ، وغدا من فنون التقريب والإبرار ، راضين بالقسمة ، قليلة أو كثيرة . إنهم كانوا قبل ذلك : قبل الإعطاء ، محسنين ، يعبدون اللّه على الإخلاص ، يأخذون من اللّه ، ويدفعون به ، وله ، ولا يردون ما أعطاهم ، ولو كان أمثال الجبال ، ولا يسألون ما لم يعطهم ، اكتفاء بعلم ربهم . قال القشيري : كانوا قبل وجودهم محسنين ، وإحسانهم : كانوا يحبون اللّه باللّه ، يحبهم ويحبونه وهم في العدم ، ولمّا حصلوا في الوجود ، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ، كأنّ نومهم عبادة ، لقوله عليه الصلاة والسّلام : « نوم العالم عبادة » « 1 » ، فمن يكون في العبادة لا يكون نائما ، وهجوع القلب : غفلته ، وقلوبهم في الحضرة ، ناموا أو استيقظوا ، فغفلتهم بالنسبة إلى حضورهم قليلة . وقال سهل رضي اللّه عنه : أي : كانوا لا يغفلون عن الذكر في حال ، يعنى هجروا النّوم ؛ لوجود الأنس في الذكر ، والمراد بالنوم : نوم القلب بالغفلة . ( وبالأسحار هم يستغفرون ) ، قال القشيري : أخبر عن تهجدهم ، وقلة دعاويهم ، وتنزلهم بالأسحار ، منزلة العاصين ، تصغيرا لقدرهم ، واحتقارا لفعلهم . ثم قال : والسهر لهم في ليالهم دائم ، إما لفرط لهف ، أو شدة أسف ، وإما لاشتياق ، أو للفراق ، كما قالوا :
كم ليلة فيك لا صباح لها * أفنيتها قابضا على كبدي
قد غصّت العين بالدموع وقد * وضعت خدى على بنان يدي « 2 »
وإما لكمال أنس ، وطيب روح ، كما قالوا :
سقى اللّه عيشا قصيرا مضى * زمان الهوى في الصبا والمجون « 3 »
لياليه تحكى انسداد لحاظ * لعينىّ عند ارتداد الجفون . ه . « 4 »
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي ( مسند الفردوس ح 6731 ) عن عبد اللّه بن أبي أوفى ، بزيادة « ونفسه تسبيح » وعمله مضاعف ، ودعاؤه مستجاب ، وذنبه مغفور » وأخرجه الديلمي ( ح 6734 ) والبيهقي في الشعب ( ح 3937 ) بلفظ « الصائم » بدل « العالم » . وانظر كشف الخفاء 2 / 445 ، والأسرار المرفوعة ص 374 . ( 2 ) القائل هو أحمد بن يوسف ، صاحب ديوان الرّسائل في عهد المأمون . انظر الأغانى ( 22 / 570 ) . ( 3 ) في الأصول : السجون . ( 4 ) البيت في الأصول : [ لياليه تحكى إنشاء اللحاظ . . للعين عند ارتداء الجفون ] والمثبت هو الذي في لطائف الإشارات .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 469 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان