ثم خلق سبحانه شفتين ينطبقان على الفم ؛ يصونان الحلق والفم من الرّياح والغبار ، ولما فيهما من كمال الزينة ، ثم خلق اللّه سبحانه الأسنان ؛ ليتمكن من قطع مأكوله وطحنه ، ولم تكن له في أول خلقته لئلا يؤذى أمه ، وجعلها ثلاثة أصناف : قسم يصلح للكسر ، كالأنياب ، وقسم يصلح للقطع ، كالرباعية ، وقسم يصلح للطحن ، كالأضراس . . .
إلى غير ذلك مما في الإنسان من عجائب الصنع وبدائع التركيب .
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
أي : تنظرون نظر من يعتبر ، وما قيل : إن التقدير : أفلا تبصرون في أنفسكم ، فضعيف ؛ لأنه يفضى إلى تقديم ما في حيّز الاستفهام عليه .
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
وهو المطر . وعن الحسن ؛ أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه رزقكم إلا أنكم تحرمونه بخطاياكم « 1 » ، أو : في سماء الغيب تقدير رزقكم ، فهو مضمون عند اللّه في سماء غيبه ، ستر ذلك بسر الحكمة ، وهو الأسباب ،
وَما تُوعَدُونَ
أي : وفي السماء ما توعدون من الثواب ؛ لأن الجنة في السماء السابعة ، سقفها العرش ، أو : أراد : إنما توعدونه من الرّزق في الدنيا وما توعدونه في العقبى كله مقدّر ومكتوب في السماء ، وقيل : إنه مبتدأ وخبره :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
أي : ما توعدون من البعث وما بعده ، أو : ما توعدونه من الرّزق المقسوم ، فوربّ العالم العلوي والسفلى
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
: أي : مثل نطقكم ، شبّه ما وعد به من الرّزق وغيره بتحقق نطق الآدمي ؛ لأنه ضروري ، يعرفه من نفسه كلّ أحد .
قال الطيبي : وإنما خص النّطق دون سائر الأعمال الضرورية ، لكونه أبقى وأظهر ، ومن الاحتمال أبعد ، فإنّ النطق يفصح عن كلّ شئ ، ويجلى كلّ شبهة . ه . فضمان الرّزق وإنجاز وعده ضروري ، كنطق النّاطق . روى عن الأصمعي أنه قال : أقبلت من جامع البصرة ، فطلع أعرابي على قعود ، فقال : من الرّجل ؟ فقلت : من بنى أصمع ، فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من موضع يتلى فيه كلام اللّه ، قال : أتل علىّ ، فتلوت :
وَالذَّارِياتِ . . .
فلما بلغت قوله :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
قال : حسبك ، فقام إلى ناقته فنحرها ، ووزعها على من أقبل وأدبر ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسّرهما ، وولّى ، فلما حججت مع الرّشيد ، وطفت ، فإذا أنا بصوت رقيق يهتف بي ، فالتفتّ ، فإذا أنا بالأعرابى قد نحل واصفرّ ، فسلّم علىّ ، واستقرأ السورة ، فلما بلغت الآية ، صاح ، وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال : وهل غير هذا ؟ فقرأت :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
فقال : سبحان اللّه ! من الذي أغضب الجليل حتى حلف ؟ لم يصدقوه بقوله حتى حلف ، قالها ثلاثا ، وخرجت معها نفسه ه . من النّسفى « 2 » .
قلت : وقد سمعت حكاية أخرى ، فيها عبرة ، وذلك أن رجلا سمع قارئا يقرأ هذه الآية ، فدخل بيته ، ولزم زاوية منه يذكر فيها ، ويتبتل ، فجاءت امرأته تنقم عليه ، وتأمره بالخدمة ، فقال لها : قال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6399 ) .
( 2 ) وذكره القرطبي ( 7 / 6399 ) .