تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
تكون « ما » نافية على معنى : أنهم لا يهجعون من الليل قليلا ويحيونه كله . ه . أو كانوا ناسا قليلا ما يهجعون من اللّه ؛ لأن « ما » النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، ولأن المحسنين وهم السابقون كانوا كثيرا في الصدر الأول ، وموجودون في كلّ زمان ومكان ، فلا معنى لقلتهم ، خلافا لوقف الهبطى ، وأيضا : فمدحهم بإحياء الليل كله مخالف لحالته صلّى اللّه عليه وسلم ، وما كان يأمر به .
وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
، وصفهم بأنهم يحيون جل الليل متهجدين ، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار من رؤية أعمالهم . والسحر : السدس الأخير من الليل ، وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن يوصفوا بالاستغفار ، كأنهم المختصون به ، لاستدامتهم له ، وإطنابهم فيه .
وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ
أي : نصيب وافر ، يوجبونه على أنفسهم ، تقربا إلى اللّه تعالى ، وإشفاقا على النّاس ،
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
أي : لمن يصرح بالسؤال لحاجة ، وللمتعفف الذي يتعرّض ولا يسأل حياء وتعففا ، يحسبه الناس غنيا فيحرم نفسه من الصدقة . وقد تكلم في نوادر الأصول « 1 » على من سأل باللّه ، أي : قال : أعطني لوجه اللّه ، هل يجب إعطاؤه أم لا ؟ ، وفي الحديث : « من سألكم باللّه فأعطوه » « 2 » . قال : وهو مقيد بما إذا سأل بحق ، أي : لحاجة ، وأما إذا سأل بباطل - أي : لغير حاجة - فإنما سأل بالشيطان ؛ لأن وجه اللّه حق . ثم ذكر كلام علىّ شاهدا ، « 3 » ثم حديث معاذ : « من سألكم باللّه فأعطوه ، فإن شئتم فدعوه » ، قال معاذ : وذلك أن تعرف أنه غير مستحق ، وإذا عرفتم أنه مستحق ، وسأل فلم تعطوه فأنتم ظلمة . وألحق بغير المستحق من اشتبه حاله ؛ لتعليق الظلم على معرفة الاستحقاق خاصة . وقال النّووى في الأذكار : يكره منع من سأل باللّه ، وتشفع به ؛ لحديث : « من سأل باللّه فأعطوه » قال : ويكره أن يسأل بوجه اللّه عير الجنة . ه . وفي حديث المنذري : « ملعون من سأل بوجه اللّه ، وملعون من سأل بوجه اللّه ، ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا » « 4 » . وقال في كتابه « الأخبار » على قوله عليه الصلاة والسّلام : « من سألكم باللّه فأعطوه » إجلالا للّه تعالى ، وتعظيما ، وإيجابا لحقه . ثم قال : إذ ليس يجب إعطاء السائل إذا كان في معصية أو
هامش
( 1 ) الأصل التاسع عشر والمائتان ( في الاستعاذة باللّه تعالى ، 2 / 187 - 188 ) . ( 2 ) جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 68 ) وأبو داود في ( الزكاة ، باب عطية من سأل باللّه ، ح 1672 ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 412 ) « وصحّحه وأقره الذهبي » من حديث ابن عمر رضي اللّه عنه وكذا أخرجه الطبراني في الكبير ( 12 / 397 ) والبيهقي ( 4 / 199 ) . وفي أوله : « من استعاذ باللّه فأعيذوه . . . » الحديث . ( 3 ) قال الحكيم الترمذي : « سأل رجل علىّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه شيئا ، فلم يعطه فقال : أسألك بوجه اللّه تعالى ، فقال له : كذبت ، ليس بوجه اللّه سألتى ، إنما وجه اللّه الحق ، ولكن سألت بوجهك الخلق » . ( 4 ) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( ح 1246 ) وعزاه للطبراني ، من حديث أبي موسى الأشعري . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 3 / 103 ) : « رواه الطبراني في الكبير ، وإسناده حسن ، على ضعف في بعضه مع توثيق » . وقوله « هجرا » بضم الهاء وسكون الجيم : أي : ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق ، ويحتمل أنه أراد : ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح .