تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
يسألون أيّان يوم الدين ؛ لطول أملهم ، أو يسألون أيّان يوم الجزاء على المجاهدة . قال تعالى : هو ( يوم هم ) أي : أهل الغفلة - على نار القطيعة أو الشهوة يفتنون بالدنيا وأهوالها ، والعارفون منزّهون في جنات المعارف . ويقال للغافلين : ذوقوا وبال فتنتكم ، وهو الحجاب وسوء الحساب ، هذا الذي كنتم به تستعجلون ، بإنكاركم على أهل الدعوة الربانيين ، فتستعجلون الفتح من غير مفتاح ، تطلبون مقام المشاهدة من غير مجاهدة ، وهو محال في عالم الحكمة « 1 » . وباللّه التوفيق . ثم ذكر أضدادهم ، فقال :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 15 إلى 19 ]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
عظيمة ، لا يبلغ كنهها ، ولا يقادر قدرها ، ولعل المراد بها الأنهار الجارية ، بحيث يرونها ، ويقع عليها أبصارهم ، لا أنهم فيها ،
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
أي : نائلين ما أعطاهم راضين به ، بمعنى أنّ كلّ ما يأتهم حسن مرضى ، يتلقى بحسن القبول ،
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ
في الدنيا
مُحْسِنِينَ
؛ متقنين لأعمالهم الصالحة ، آتين بها على ما ينبغي ، فلذلك نالوا ما نالوا من الفوز العظيم ، ومعنى الإحسان ما فسره به عليه الصلاة والسّلام : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » الحديث « 2 » . ومن جملته ما أشار إليه بقوله :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
أي : كانوا يهجعون ، أي : ينامون في طائفة قليلة من الليل ، على أن « قليلا » ظرف ؛ أو كانوا يهجعون هجوعا قليلا ، على أنه صفة لمصدر ، و « ما » مزيدة في الوجهين ، ويجوز أن تكون مصدرية مرتفعة ب « قليلا » على الفاعل ، أي : كانوا قليلا من الليل هجوعهم . وقال النسفي : يرتفع هجوعهم على البدل من الواو في « كانوا » لا بقليلا ؛ لأنه صار موصوفا بقوله :
مِنَ اللَّيْلِ
فبعد من شبه الفعل وعمله ، ولا يجوز أن
هامش
( 1 ) على هامش النّسخة الأساسية ما يلي : ليس بمحال ، وكم من واحد جذبته العناية الإلهية وانتشلته . . . . الغفلة والظلمات فأصبح على بساط القرب والمشاهدة دون أدنى مجاهدة ، بل نص العارفون على أن طريق المجاهدة انقطعت ، ولم يبق إلا طريق المحبة بعد جذب العناية الإلهية . ه . ( 2 ) جزء من حديث سؤال سيدنا جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان ، وهو حديث مشهور . أخرجه البخاري في ( الإيمان باب سؤال جبريل النّبى عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ، ح 50 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان رقم 9 ، ح 5 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه .