تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
كنتم تستعجلونه في الدنيا ، بقولكم :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
« 1 » ، ف « هذا » : مبتدأ ، و « الذي . . » إلخ : خبر ، ويجوز أن يكون « هذا » بدلا من فتنتكم ، و « الذي » : صفته . الإشارة : أقسم اللّه تعالى بسماء الحقائق ، وتسمى سماء الأرواح ؛ لأن أهل الحقائق روحانيون سماويون ، ترقّوا من أرض الأشباح إلى سماء الأرواح ، حيث غلبت روحانيتهم ، على بشريتهم ، كما أن أهل الشرائع اليابسة أرضيين بشريين ، حيث غلبت بشريتهم الطينية على روحانيتهم السماوية ، ولكلّ واحدة طرق ، فطرق سماء الحقائق هي المسالك التي توصل إليها ، وهي قطع المقامات والمنازل ، وخرق الحجب النّفسانية ، حتى يفضوا إلى مقام العيان « في مقعد صدق عند مليك مقتدر » وطرق أرض الشرائع هي المذاهب التي سلكها الأولون ، واقتدى بهم الآخرون ، يفضوا أهلها إلى رضا اللّه ونعيمه . وكان الشيخ الشاذلي رضي اللّه عنه يقول في تلميذه المرسى : إن أبا العباس أعرف بطرق السماء منه بطرق الأرض ، أي : أعرف بمسالك الحقائق منه بمذاهب الشرائع ، وهذا إشارة قوله :
ذاتِ الْحُبُكِ
أي : الطرق . إن أهل الجهل باللّه لفى قول مختلف مضطرب ، لا تجد قلوبهم تأتلف على شئ ، قلوبهم متشعبة ، ونياتهم مختلفة ، وهممهم دنية ، وأقوالهم مضطربة ، بخلاف أهل الحقائق العارفين باللّه ، قلوبهم مجتمعة على محبة واحدة ، وقصد واحد ، وهو اللّه ، بدايتهم في السلوك مختلفة ، ونهايتهم متفقة ، وهو الوصول إلى حضرة العيان ، وللّه در ابن البنا ، حيث قال :
مذاهب النّاس على اختلاف * ومذهب القوم على ائتلاف
وقال الشاعر :
عباراتهم شتى وحسنك واحد * وكلّ إلى ذاك الجمال يشير
يؤفك عن هذا الاختلاف من صرف في سابق العناية ، أو من صرف من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح . قتل الخراصون ؛ المعتمدون على ظنهم وحدسهم ، فعلومهم جلها مظنونة ، وإيمانهم غيبى ، وتوحيدهم دليلي من وراء الحجاب ، لا يسلم من طوارق الاضطراب ، الذين هم في غمرة ؛ أي : في غفلة وجهل وضلالة - ساهون عما أمروا به من جهاد النّفوس ، والسير إلى حضرة القدوس ، أو ساهون غائبون عن مراتب الرّجال ، لا يعرفون أين ساروا ، وفي أىّ بحار سبحوا وغاصوا ، كما قال شاعرهم :
تركنا البحور الزاخرات وراءنا * فمن أين يدرى النّاس أين توجهنا ؟
هامش
( 1 ) من الآية 70 من سورة الأعراف .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 466 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان