تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
والمقسم عليه قوله :
إِنَّ ما تُوعَدُونَ
من البعث والجزاء ،
لَصادِقٌ
؛ لوعد صادق ،
وَإِنَّ الدِّينَ
أي : الجزاء على الأعمال
لَواقِعٌ
؛ لكائن لا محاله . وتخصيص الأمور المذكورة بالإقسام بها رمزا إلى شهادتها بتحقيق مضمون الجملة المقسم عليها ، من حيث إنها أمور بديعة ، مخالفة لمقتضى الطبيعة ، فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود ، و « ما » موصولة ، أو مصدرية ، ووصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : والذاريات : رياح الواردات الإلهية ، التي ترد على القلوب ، فتذرو منها الأمراض والشكوك والأوهام والخواطر ؛ لأنها تأتى من حضرة قهّار ، لا تصادم شيئا إلا دفعته ، فالحاملات وقرا ؛ فالأنفس المطهرة ، الحاملة للعلوم والحكم والمواهب ، وقرا : حملا لا حدّ له ، فالجاريات يسرا : فالأفكار الجارية في بحار الأحدية ، من الجبروت إلى الملكوت ، ثم تنزل إلى عالم الملك ، تتفنن في علوم الحكمة ، في جريا يسرا شيئا فشيئا ، فالمقسّمات أمرا : فالأرواح أو الأسرار الكاملة ، التي تقسم الأرزاق المعنوية والحسية ، حيث جعل اللّه لها ذلك بفضله عند كمالها ، وهذه أرواح أهل التصرف من الأولياء . إنما توعدون من الوصول إلينا لصادق لمن صدق في الطلب ، وإنّ الجزاء على المجاهدة بالمشاهدة لواقع . قال القشيري : إن اللّه تعالى وعد المطيعين بالجنة ، والتائبين بالمحبة ، والأولياء بالقربة ، والعارفين بالوصلة ، والطالبين بالوجدان . ولعلّ مراده بالأولياء عموم الصالحين . ثم جدّد قسما آخر ، فقال : -

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 7 إلى 14 ]

وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 ) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ( 10 ) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ ( 11 ) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ( 12 ) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
؛ ذات الطرق الحسيّة ، مثل ما يظهر على الماء والرّمال من هبوب الرّياح ، وكذلك الطرق التي في الأكسية من الحرير وغيره ، يقال لها : حبك جمع حبيكة ، كطريقة وطرق ، أو : جمع حباك ، قال الرّاجز :
كأنما جلّاها « 1 » الحوّاك * طنفسة في وشيها حباك « 2 »
هامش
( 1 ) هكذا في الأصول . وفي تفسير الطبري وابن عطية وغيرهما : ( جلّلها ) وهو الصواب . ( 2 ) يصف الرّاجز ظهر أتان من حمر الوحش بأن فيه خطوطا وطرائق ، وجللها : ألبسها وكساها ، والطنفسة : البساط أو النّمرقة فوق الرحل ، والوشي : الزخرف والنّقش ، والحباك : الطريقة .