تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
أسعارها ، وكانوا يقولون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، وهم يريدون الصدقة ، ويقولون : أعطنا ، ويمنّون بإسلامهم « 1 » .
قُلْ
لهم :
لَمْ تُؤْمِنُوا
؛ لم تصدّقوا بقلوبكم
وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
، فالإيمان هو التصديق بالقلب مع الإذعان به ، والإسلام هو الدخول في السّلم ، والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين ؛ ألا ترى إلى قوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
فهو يدل على أنّ مجرد النّطق بالشهادتين ليس بإيمان ، فتحصّل أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة للقلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان ، وهذا من حيث اللغة ، وأما في الشرع فهما متلازمان ، فلا إسلام إلا بعد إيمان ، ولا إيمان إلا بعد النّطق بالشهادة إلا لعذر . والتعبير ب « لمّا » يدل على أن الإيمان متوقّع من بعضهم وقد وقع . فإن قلت : مقتضى نظم الكلام أن يقول : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا ، أو : قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ؟ قلت : أفاد هذا النّظم تكذيب دعواهم أولا ، فقيل : قل لم تؤمنوا ، مع حسن أدب ، فلم يقل : كذبتم صريحا ، ووضع « لم تؤمنوا » الذي هو نفس ما ادّعوا إثباته موضعه ، واستغنى بقوله :
لَمْ تُؤْمِنُوا
عن أن يقال : لا تقولوا آمنا ؛ لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النّهى عن القول بالإيمان ، ولم يقل : ولكن أسلمتم ؛ ليكون قولهم خارجا مخرج الزعم والدعوى ، كما كان قولهم : « آمنا » كذلك ، ولو قيل : ولكن أسلمتم ؛ لكان كالتسليم ، والاعتداد بقولهم ، وهو غير معتدّ به . وليس قوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
تكريرا لمعنى قوله :
لَمْ تُؤْمِنُوا
فإنّ فائدة قوله :
لَمْ تُؤْمِنُوا
تكذيب دعواهم ، وقوله :
وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
توقيت لما أمروا به أن يقولوه ، كأنه قيل لهم : ولكن قولوا أسلمنا حين لم يثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم ؛ لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في « قولوا » . قاله النّسفى .
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
بالإخلاص وترك النّفاق
لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
من أجورها . يقال : ألت يألت « 2 » ، وألات يليت ، ولات يليت ، بمعنى ، وهو النّقص ،
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لما فرط من الذنوب ،
رَحِيمٌ
يستر العيوب .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا
؛ لم يشكّوا ، من : ارتاب ، مضارع رابه : إذا أوقعه في الشك والتهمة ، والمعنى : أنهم آمنوا ثم لم يقع في إيمانهم شك فيما آمنوا ، ولا اتهام لمن صدّقوه ، ولمّا كان الإيقان
هامش
( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النّزول ( ص 412 ) والبغوي في التفسير ( 7 / 349 ) بدون إسناد ، وعزاه ابن كثير في التفسير ( 4 / 219 - 22 ) للبزار ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 2 ) بضم اللام وكسرها ، انظر البحر المحيط ( 8 / 104 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 438 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان