تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وقوله : مالفخر إلا لأهل العلم . . إلخ ، يعنى : لو كان الفخر مباحا ما أبيح إلّا لهم ، وإلا فهم أولى بالتواضع ، اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد قال : « من تواضع دون قدره رفعه اللّه فوق قدره » « 1 » فما رفع اللّه قدر العلماء إلا بتواضعهم حتى ينالهم الشريف والوضيع ، والصغير والكبير ، والقوى والضعيف ، فمن لم يكن هكذا فليس بعالم ؛ لأنّ الخشية تحمل على التواضع ، ومن لم يخش فليس بعالم حقيقة . قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 2 » . وقوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
، اعلم أنّ نصيب كلّ عبد من اللّه تعالى على قدر تقواه ، وتقواه على قدر توجهه إلى اللّه ، وتوجهه على قدر تفرغه من الشواغل ، وتفرغه على قدر زهده ، وزهده على قدر محبته ومحبته على قدر علمه باللّه ، وعلمه على قدر يقينه ، ويقينه على قدر كشف الحجاب عنه ، وكشف الحجاب على قدر جذب العناية ، وجذب العناية على قدر السابقة ، وهي سر القدر الذي لم يكشف في هذه الدار . وسقوط العبد من عين اللّه على قدر قلة تقواه ، وقلة تقواه على قدر ضعف توجهه ، وضعف توجهه على قدر تشعب همومه ، وتشعب همومه على قدر حرصه ورغبته في الدنيا ، ورغبته في الدنيا على قدر ضعف محبته في اللّه ، وضعف محبته على قدر جهله به ، وجهله على قدر ضعف يقينه ، وضعف اليقين من كثافة الحجاب ، وكثافة الحجاب من عدم جذب العناية ، وعدم جذب العناية من علامة الخذلان السابق ، الذي هو سر القدر . واللّه تعالى أعلم . ثم إنّ أساس التقوى : الإيمان الصادق دون الكاذب ، الذي أشار إليه بقوله :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) يقول الحق جل جلاله :
قالَتِ الْأَعْرابُ
أي : بعض الأعراب
آمَنَّا
، نزلت في نفر من بنى أسد ، قدموا المدينة في سنة جدبة ، فأظهروا الإسلام ، ولم يؤمنوا في السر ، وأفسدوا طرق المدنية بالعذرات ، وأغلوا
هامش
( 1 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وأخرج أحمد في المسند ( 3 / 36 ) وابن ماجة في ( الزهد 3 / 2 / 1398 ، ح 4176 ) عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من يتواضع للّه سبحانه درجة يرفعه اللّه به درجة ، ومن يتكبر على اللّه درجة ، يضعه اللّه به درجة ، حتى يجعله في أسفل سافلين » . ( 2 ) الآية 28 من سورة فاطر .