تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ
أي : لا تعدوا إسلامكم منة علىّ ، فإنّ نفعه قاصر عليكم إن صح ،
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ
أي : المنة إنما هي للّه عليكم
أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
أي : لأن هداكم ، أو : بأن هداكم للإيمان على زعمكم
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في ادّعاء الإيمان ، إلّا أنكم تزعمون وتدعون ما اللّه عليم بخلافه . وجواب الشرط محذوف ؛ لدلالة ما قبله عليه ؛ أي : إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان فللّه المنّة عليكم . وفي سياق النّظم الكريم من اللطف ما لا يخفى ؛ فإنهم لمّا سموا ما في صدورهم إيمانا ، ومنّوا به ، نفى تعالى كونه إيمانا ، وسمّاه إسلاما ، كأنه قيل : يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام وليس بإيمان ، بل لو صح ادّعاؤهم للإيمان فللّه المنّة عليهم بالهداية إليه لا لهم .
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : ما غاب فيهما ،
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
في سركم وعلانيتكم ، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم ، يعنى : اللّه تعالى يعلم كلّ مستتر في العالم ، ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم ، لا يخفى عليه منه شئ ، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم . قال الورتجبي : ليس للّه غيب ، إذ الغيب شئ مستور ، وجميع الغيوب عيان للّه - تعالى - وكيف يغيب عنه وهو موجده ؟ ! يبصر ببصره القديم ما كان وما لم يكن ، وهناك العلم والبصر واحد . ه . قوله : « العلم والبصر واحد » هذا على مذهب الصوفية في أن بصره يتعلق بالمعدوم ، كما يتعلق به العلم ، ومذهب علماء الكلام : أن متعلق البصر خاص بالموجودات ، فمتعلق العلم أوسع . وانظر حاشية الفاسي على الصغرى . الإشارة : كل من تمنى أن يعلم النّاس ما عنده من العلم والسر ؛ يقال له : أتعلّمون اللّه بدينكم ، واللّه يعلم ما في سماوات القلوب والأرواح من السر واليقين ، وما في أرض النّفوس من عدم القناعة بعلم اللّه ، واللّه بكلّ شئ عليم . وفي الحكم : « استشرافك أن يعلم النّاس بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك » « 1 » . وكلّ من غلب عليه الجهل حتى منّ على شيخه بصحبته له ، أو بما أعطاه ، يقال في حقه :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا . .
الآية . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
قال القشيري : فمن لاحظ شيئا من أعماله وأحواله ؛ فإن رآها من نفسه كان شركا ، وإن رآها لنفسه كان مكرا ، وإن رآها من ربه بربه كان توحيدا . وفقنا اللّه لذلك بمنّه وجوده . ه . وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما . * * *
هامش
( 1 ) حكمة رقم 161 انظر تبويب الحكم للمتقى الهندي ( ص 11 ) .