تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
قوله تعالى :
وَلا تَجَسَّسُوا . .
إلخ ، التجسس عن أخبار النّاس من علامة الإفلاس ، قال القشيري : العارف لا يتفرغ من شهود الحقّ إلى شهود الخلق ، فكيف يتفرغ إلى التجسس عن أحوالهم ؟ ! لأن من اشتغل بنفسه لا يتفرغ إلى الخلق ، ومن اشتغل بالحق لا يتفرغ لنفسه ، فكيف إلى غيره ؟ ! ه . قوله تعالى :
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
، ليست الغيبة خاصة باللسان في حق الخاصة ، بل تكون أيضا بالقلب ، وحديث النّفس ، فيعاتبون عليها كما تعاتب العامة على غيبة اللسان ، وتذكّر قضية الجنيد مع الفقير الذي رآه يسأل ، وهي مشهورة ، وتقدمت حكاية أبي سعيد الخراز ، ونقل الكواشي عن أبي عثمان : أنّ من وجد في قلبه غيبة لأخيه ، ولم يعمل في صرف ذلك عن قلبه بالدعاء له خاصة ، والتضرع إلى اللّه بأن يخلّصه منه ؛ أخاف أن يبتليه اللّه في نفسه بتلك المعايب . ه . قال القشيري : وعزيز رؤية من لا يغتاب أحدا بين يديك . ه . وقد أبيحت الغيبة في أمور معلومة ، منها : التحرز منه لئلا يقع الاغترار بكلامه أو صحبته ، والترك أسلم وأنجى . ثم نهى عن الافتخار بالأنساب ، فقال :

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
؛ آدم وحوّاء ، أو : كل واحد منكم من أب وأم ؛ فما منكم من أحد إلا وهو يدلى بما يدلى به الآخر ، سواء بسواء ، فلا معنى للتفاخر والتفاضل بالنسب . وفي الحديث : « لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربى ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقى » « 1 » . وقال أيضا : « ثلاثة من أمر الجاهلية ؛ الفخر بالأحساب ، والطعن في الأنساب ، والدعاء بدعاء الجاهلية » « 2 » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلم .
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
، الشعوب : رؤوس القبائل ، مثل ربيعة ومضر ، والأوس والخزرج ، واحدها : شعب - بفتح الشين ، سمّوا بذلك لتشعبهم كتشعب أغصان الشجرة ، والقبائل : دون الشعوب ، واحدها : قبيلة ، كبكر من ربيعة ، وتميم من مضر . ودون القبائل : العمائر ، جمع عمارة بفتح العين ، وهم كشيبان من بكر ، ودارم من تميم ،
هامش
( 1 ) أخرجه مطولا : البيهقي في الشعب ( ح 5137 ) من حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه . ( 2 ) ذكره الهيثمي في المجمع ( 3 / 16 ) بنحوه ، وعزاه للطبراني في الكبير . عن سلمان مرفوعا ، وقال : « فيه عبد الغفور أبو الصباح ، وهو ضعيف » .