وَلا
يسخر
نِساءٌ
مؤمنات
مِنْ نِساءٍ
منهن
عَسى أَنْ يَكُنَّ
أي : المسخور منهن
خَيْراً مِنْهُنَّ
أي : الساخرات ، فإنّ مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر من الصور والأشكال ، والأوضاع والأطوار ، التي عليها يدور أمر السخرية ، وإنما هي الأمور الكامنة في القلوب ، من تحقيق الإيمان ، وكمال الإيقان ، وموارد العرفان ، وهي خفيّة ، فقد يصغّر العبد من عظّم اللّه ، ويتحقر من وقّره اللّه ، فيسقط من عين اللّه ، فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بأحد إذا رآه رثّ الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، ولو في دينه ، فلعله يتوب ويبتلى بما ابتلى به . وفي الحديث : « لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه اللّه ويبتليك » « 1 » . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : البلاء موكّل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا . ه .
وتنكير القوم والنّساء ؛ إما لإرادة البعض ، أي : لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وإما لإرادة الشيوع ، وأن يصير كلّ جماعة منهم منهية عن السخرية ، وإنما لم يقل : رجل من رجل ، ولا امرأة من امرأة ؛ إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية ، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه .
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
؛ ولا يعيب بعضكم بعضا بالطعن في نسبه أو دينه ، واللمز : الطعن والضرب باللسان ، والمؤمنون كنفس واحدة ، فإذا عاب المؤمن المؤمن فقد عاب نفسه . وقيل : معناه : لا تفعلوا ما تلمزون به أنفسكم بالتعرض للكلام ؛ لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة .
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
أي : لا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء ، فالتنابز بالألقاب : التداعي بها . والتلقيب المنهي عنه ما يدخل على المدعوّ به كراهية ، لكونه تقصيرا به وذمّا له ، فأمّا ما يحبه فلا بأس به ، وكذا ما يقع به التمييز ، كقول المحدّثين : حدثنا الأعمش والأحدب والأعور .
روى أن قوما من بنى تميم استهزأوا ببلال وخبّاب وعمّار وصهيب ، فنزلت « 2 » . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة ، وكانت قصيرة . وعن أنس : عيّرت نساء النّبى صلّى اللّه عليه وسلم أمّ سلمة بالقصر ، فنزلت « 3 » . وروى : أنها نزلت في ثابت بن قيس ، وكان به وقر - أي : صمم - فكانوا يوسّعون له في مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأتى قوما وهو يقول : تفسّحوا ، حتى انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال لرجل : تنحّ ؛ فلم يفعل ، فقال : من هذا ؟
فقال : أنا فلان ، فقال : فلان بن فلانة - يريد أمّا كان يعير بها في الجاهلية ، فخجل الرّجل ، فنزلت ، فقال ثابت : واللّه لا أفخر على أحد بعد هذا أبدا « 4 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في ( صفة القيامة والرّقائق ، باب 54 ، ح 2506 ) من حديث واثلة بن الأسقع رضي اللّه عنه . وقال الترمذي : « حديث حسن غريب » .
( 2 ) عزاه السيوطي في الدر ( 6 / 96 - 97 ) لابن أبي حاتم ، عن مقاتل .
( 3 ) ذكره الواحدي في أسباب النّزول ( ص 409 ) .
( 4 ) ذكره البغوي في تفسيره 70 / 342 - 343 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه .