فهزمه ، ثم عاد فهزمه « 1 » ، هكذا نقله الثعلبي وغيره . فانظره مع ما في الاكتفاء للكلاعى : أن خالدا كان مع المشركين في الحديبية ، وإنما أسلم بعد الحديبية قبل الفتح ، وكان في السنة الثامنة ، والحديبية في السادسة ، والذي ذكر النّسفى أنه عليه السّلام بعث من هزمهم ، ولم يسمه ، وهزم خالد لبعض قريش إنما كان في الفتح ، لا في الحديبية ، فلعل الرّاوى غلط . وقال أنس : إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ، عام الحديبية ، ليقاتلوا المسلمين ، فأخذهم النّبى صلّى اللّه عليه وسلم سلما ، فأعتقهم ، فنزلت الآية « 2 » .
ووجه المنّة في كفّ أيدي المؤمنين عن الكافرين : ما ذكر بعد من قوله :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
. . . الآية ، أو : ما تطرق بسببه من الصلح وانقيادهم إليه ، فإنهم لما رأوا أصحابهم انهزموا أذعنوا للصلح ، وقال القشيري : بعد أن اضطرهم المسلمون إلى بيوتهم ، أنزل اللّه هذه الآية يمنّ عليهم ، حيث كفّ أيدي بعضهم عن بعض ، عن قدرة من المسلمين ، لا عن عجز ، فأما الكفار فكفّوا أيديهم رعبا وخوفا ، وأما المسلمون فنهيا من قبل اللّه ، لما في أصلابهم من المؤمنين . ه .
وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
من مقاتلتهم وهزمهم أولا ، والكفّ عنهم ثانيا ، لتعظيم بيته الحرام ، وقرأ البصري بياء الغيب ، أي : بما يعمل المشركون
بَصِيراً
فيجازى كلّا بما يستحقه .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 25 ]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 25 )
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
وَ
صدوا
الْهَدْيَ
حال كونه
مَعْكُوفاً
أي : محبوسا عن
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
أي : مكانه الذي يحلّ به نحره ، وهو منى وكان صلّى اللّه عليه وسلم ساق سبعين بدنة ، فلما صدّ ، نحرها بموضعه ، وبه استدل من قال : أنّ المحصر ينحر هداياه بموضعه ، وروى أن خيامه صلّى اللّه عليه وسلم كانت في الحل ، ومصلّاه في الحرم ، وهناك نحرت هداياه صلّى اللّه عليه وسلم . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : يقال لمن سبقت لهم العناية ، وحفّت بهم الرّعاية : لو قاتلكم الذين كفروا من النّفس الأمارة ، والشيطان ، والهوى ، وسائر القواطع ، لولّوا الأدبار ، ثم لا يجدون تسلطا عليكم أبدا ، سنّة اللّه التي قد خلت فيمن توجه إليه بصدق الطلب ، ودخل تحت تربية الرّجال ، فإن همتهم دائرة عليه ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . وهو الذي كفّ أيدي الأعداء من القواطع عنكم ، وكفّ أيديكم عنهم ، من بعد أن أظفركم عليهم ، فإنّ النّفس إذا تعذبت واطمأنت وجب الكفّ عن مجاهدتها ، ووجب البرور بها ، وتصديقها فيما تحدثه ، وكذا سائر القواطع تجب الغيبة عنها ، وعدم
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 26 / 95 ) وانظر الكافي الشاف ( ح 424 ) فقد قال الحافظ ابن حجر معقبا : « في صحته نظر ؛ لأن خالدا لم يكن أسلم في الحديبية . وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية » . وسيذكر الشيخ بعد قليل حديث أنس . وهو أصح لوروده في الصحيح .
( 2 ) أخرجه مسلم في ( الجهاد ، باب قول اللّه تعالى :وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْح 1808 ) من حديث أنس رضي اللّه عنه .