مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم . ويجوز أن يكون : « لو تزيلوا » كالتكرير ل « لولا . . » ؛ لمرجعهما لمعنى واحد ، ويكون ( لعذّبنا . . . ) إلخ ، هو جواب « لولا » والتقدير : ولولا أن تطئوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات من غير علم ، ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف .
الإشارة : إذا اختلط أهل الانتقاد مع أهل الاعتقاد ، لا يعم البلاء المعدّ لأهل الانتقاد ، ولو تزيلوا لعذبنا المنكرين عذابا أليما ، وكذلك إذا اختلط الفجار مع الأبرار ، وغلب جمع الأبرار ، لا يعم البلاء ، ويصرف عن الجميع ، فلو تزيل الفجار لعذبوا عذابا أليما .
قال القشيري : قد تكون في النّفس أوصاف مستحسنة ، تليق بالفيض الإلهى ، مع أوصاف مذمومة ، فلو سلطناكم على إهلاكها بالمرة ، لفاتكم ما فيها من الأوصاف الحسنة ، فتصيبكم معرة ، ليدخل اللّه في رحمته بالوصول إلى حضرته من يشاء من النّفوس ، بتصفية ما فيها من الرّذائل . لو تزيلوا تميز ما يصلح قلعه ، كالكبر ، والشر ، والحرص والحقد ، أو ما يصلح تبديله ، كالبخل بالسخاء ، والحرص بالقناعة ، والغضب بالحلم ، والجبن بالشجاعة ، والشهوة بالعفة ، لعذّبنا النّفوس المتمردة عذابا أليما ، بإهلاكها بالكلية . بالمعنى .
ثم وصف أهل الكفر المتقدمين الآن بالحمية ، فقال :
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 )
يقول الحق جل جلاله : واذكر
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
من قريش أي : ألقوا
فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ
أي : الأنفة والتكبر ، أو : صيّروا الحمية راسخة في قلوبهم
حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ
: بدل ، أي : حميّة الملة الجاهلية ، أو الحميّة النّاشئة من الجاهلية ، ووضع الموصول موضع ضميرهم ، إذ تقدم ذكرهم ، لذمّهم بما في حيز الصلة ، وتعليل الحكم به . والجعل بمعنى الإلقاء ، فلا يتعدى إلى مفعولين ، أو : بمعنى التصيير ، فالمفعول الثاني محذوف ، كما تقدم . و « الذين » : فاعل ، على كلّ حال .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أي : أنزل في قلوبهم الطمأنينة والوقار ، فلم يتضعضعوا من الشروط التي شرطت قريش .