تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها
هو ما فتح على المؤمنين ، وغنموه مع النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة . والالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان .
فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
المغانم ، يعنى مغانم خيبر ،
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
أي : أيدي أهل خيبر وحلفاءهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم ، فقذف اللّه في قلوبهم الرّعب فانصرفوا ، وقيل : أيدي أهل مكة بالصلح ،
وَلِتَكُونَ
هذه الكفّة
آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
وعبرة يعرفون أنهم من اللّه بمكان ، وأنه ضامن لنصرتهم والفتح عليهم ، أو : لتكون آية يعرفون بها صدق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم من وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية بما ذكر من المغانم ، ودخول مكة ، ودخول المسجد الحرام آمنين . واللام إما متعلقة بمحذوف مؤخر ، أي : وليكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف ، وإما يتعلق بعلة أخرى محذوفة من أحد الفعلين ، أي : فعجّل لكم هذه وكفّ أيدي النّاس عنكم لتغنموها ولتكون . . . إلخ ،
وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً
أي : يزيدكم بصيرة ويقينا وثقة بوعد اللّه حتى تثقوا في أموركم كلها بوعد اللّه تعالى . قال الثعلبي ، ولمّا فتح النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم حصون خيبر سمع أهل فدك ما صنع - عليه السلام - بأهل خيبر ، فأرسلوا له يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم ، ويخلوا له الأموال ، ففعل ، ثم صالح أهل خيبر ، على أن يعملوا في أموالهم على النصف ، على أنه إن شاء أجلاهم متى شاء « 1 » ، ففعلوا ، فكانت خيبر فيئا للمسلمين ، وكانت فدك خالصة له صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ولما اطمأن صلّى اللّه عليه وسلم بعد فتح خيبر أهدت له زينب الحارث اليهودية شاة مصليّة مسمومة ، أكثرت في ذراعها السم ، فأخذ صلّى اللّه عليه وسلم الذراع ، فأ كل منه ، ثم كلمه ، فأمسك ، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور ، فمات من ساعته ، وسلم صلّى اللّه عليه وسلم حتى قام عليه بعد سنتين ، فمات به ، فجمع له بين الشهادة والنّبوة « 2 » . ثم قال تعالى :
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها
أي : وعجّل لكم مغانم أخرى ، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين . ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة .
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
؛ قدر عليها واستولى ، وأظهركم عليها ، وهي صفة أخرى ل « أخرى » مفيدة لسهولة بأسها بالنسبة إلى قدرته تعالى ، بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى حذرهم . ويجوز في « أخرى » النصب بفعل مضمر ، يفسره
قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
، أي : وقضى اللّه أخرى ، ولا ريب في أن الإخبار بقضاء إياها بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعودة بقوله :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً
فيه مزيد فائدة ، وإنما الفائدة في بيان تعجيلها وتأخير هذه .
هامش
( 1 ) حديث مصالحة النّبى صلّى اللّه عليه وسلم لأهل خيبر ، أخرجه البخاري في ( فرض الخمس ، باب ما كان النّبى ، صلى اللّه عليه وسلم يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه ح 3152 ) ومسلم في ( المساقاة ، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع ، ح 1551 ) عن ابن عمر رضي اللّه عنه . ( 2 ) انظر سيرة ابن هشام ( 2 / 337 - 338 ) وتفسير البغوي ( 7 / 311 ) . وحديث أكلة خيبر أخرجه البخاري في ( الهبة ، باب قبول الهدية من المشركين ، ح 2617 ) ومسلم في ( السّلام ، باب السم ، ح 2190 ) عن أنس رضي اللّه عنه .