تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
روى : أن رسول اللّه لمّا نزل الحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزّى ، ومكرز بن حفص ، على أن يعرضوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك ، على أن تخلى له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ، ففعل ذلك ، وكتب بينهم كتابا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم لعلىّ رضي اللّه عنه : « اكتب « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » فقال سهيل وأصحابه : ما نعرف هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : « اكتب : هذا ما صالح عليه رسول اللّه أهل مكة » فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ، ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « اكتب ما يريدون ، فأنا أشهد أنّى رسول ، وأنا محمد بن عبد اللّه » فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ، ويبطشوا بهم ، فأنزل اللّه السكينة عليهم ، فتوقّروا وحلموا « 1 » . وفي رواية البخاري : فكتب علىّ رضي اللّه عنه : « هذا ما قضى عليه محمد رسول اللّه » فلما أبوا ذلك ، قال صلّى اللّه عليه وسلم لعلىّ : « امح رسول اللّه ، واكتب : محمد بن عبد اللّه » ، فقال : وللّه لا أمحوك أبدا ، فأخذ صلّى اللّه عليه وسلم الصحيفة وكتب ما أرادوا . قيل : كتب بيده معجزة ، وقيل : أمر من كتب ، وهو الأصح .
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
، شهادة « لا إله إلا اللّه » « 2 » ، وقيل : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وقيل : محمد رسول اللّه ، وقيل : الوفاء بالعهد ، والثبات عليه . وإضافتها إلى التقوى ؛ لأنها سببها وأساسها ، وقيل : كلمة أهل التقوى .
وَكانُوا أَحَقَّ بِها
أي : متصفين بمزيد استحقاق بها ، على أن صيغة التفضيل للزيادة مطلقا ، أو : أحق بها من غيرهم من سائر الأمم
وَ
كانوا أيضا
أَهْلَها
المتأهلون لها بتأهيل اللّه إياهم . قال القشيري : كلمة التقوى هي التوحيد عن قلب صادق ، وأن يكون مع الكلمة الاتقاء من الشرك ، وكانوا أحق بها في سابق حكمه ، وقديم علمه ، وهذا إلزام إكرام ولطف ، لا إلزام إكراه وعنف ، وإلزام بر ، لا إلزام جبر . ه .
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
فيجرى الأمور على مساقها ، فيسوق كلّا إلى ما يستحقه . الإشارة : لا يصل العبد إلى مولاه حتى تكون نفسه أرضية ، وروحه سماوية ، يدور مع الحق أينما دار ، ويخضع للحق أينما ظهر ، ولأهله أينما ظهروا ، لم تبق فيه حميّة ولا أنفه ، بل يكون كالأرض يطأها البار والفاجر ، ولا تميز بينهما ، وأما من فيه حمية الجاهلية ، فهو من أهل الخذلان ، وأما أهل العناية ، فأشار إليهم بقوله :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في دلائل النّبوة ( باب سياق قصة الحديبية 4 / 105 ) من حديث عروة بن الزبير ، مرسلا ، والقصة هي الصحيح ، فقد أخرجها البخاري في ( الصلح ، باب كيف يكتب : هذا ما صالح فلان بن فلان ، ح 2698 ) كما أخرجها مطولة في ( الشروط ، باب الشروط في الجهاد ، 5 / 329 - 333 ) من حديث عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان ، وأخرجها مسلم في ( الجهاد ، باب صلح الحديبية ح 1783 ) من حديث البراء بن عازب - رضي اللّه عن الصحابة أجمعين . ( 2 ) هذا هو التفسير المروى عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم . وأخرجه الترمذي في ( التفسير - سورة الفتح ح 3265 ) وأحمد في المسند ( 5 / 138 ، ح 21151 ) والحاكم ( 2 / 461 ) « وصحّحه ووافقه الذهبي » والطبراني في الكبير ( 1 / 168 ) من حديث علىّ رضي اللّه عنه . وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ( ص 109 ) من حديث الطفيل بن أبىّ ، عن أبيه .