تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
يقول الحق جل جلاله :
وَاذْكُرْ عِبادَنا
، وقرأ المكي « 1 » : « عبدنا » ، إما على إرادة الخبر ، وإما أن يريد « إبراهيم » وحده لشرفه ، ثم عطف عليه من بعده ، ثم بيّنهم بقوله :
إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
أي : أولى القوة في الطاعة والبصيرة في الدين ، أو : أولى الأعمال الجليلة ، والعلوم الشريفة . فعبّر بالأيدي عن الأعمال ؛ لأن أكثرها تباشر بها ، وبالأبصار عن المعارف ؛ لأنها أقوى مبادئها . وفيه تعريض بالجهلة الباطلين ، كأنهم كالزّمنى والعماة ، وتوبيخ على ترك المجاهدة والفكرة مع تمكنهم منهما .
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ
أي : جعلناهم خالصين لنا بخصلة عظيمة الشأن ، لا شوب فيها ، هي
ذِكْرَى الدَّارِ
أي : تذكر للدار الآخرة على الدوام ، فإنّ خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها ، وذلك لأن مطمح أنظارهم ، ومسرح أفكارهم ، في كلّ ما يأتون وما يذرون ، جوار اللّه عز وجل ، والفوز بلقائه ، ولا يتأتى ذلك على الدوام إلا في الآخرة ، فمطلبهم إنما هو الجوار والرّؤية ، لا مجرد الحضور في تلك الدار ، كما قال ابن الفارض - رضي اللّه عنه :
ليس سؤلي من الجنان نعيما * غير أنّى أريدها لأراك
قال ابن عطية : يحتمل أن يكون معنى الآية :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ
بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ، ودعاء الناس إليها ، أي : وتزهيدهم في الدنيا ، كما هو ديدن الأنبياء والرّسل . وهذا قول قتادة ، أو : إنا أخلصناهم بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم والعمل بحسب ذلك . وهذا قول مجاهد . ه . قلت : مرتبة الرّسل تنافى العمل لحرف ، فإنّ أولياء هذه الأمة تحرروا من العمل للحرف ، بل عبدوا اللّه شكرا ومحبة وعبودية ، لا طعما في شئ ، فكيف بأكابر الرّسل . وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة ، وإنما الدنيا معبر إليها . ومن قرأ بالإضافة « 2 » ، فمن إضافة الشيء إلى ما بيّنه ؛ لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى ، و « ذكرى » : مصدر مضاف إلى المفعول ، أي : بإخلاصهم ذكرى الدار . وقيل : خالصة بمعنى خلوص ، وهي مضافة إلى الفاعل ، أي : بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بشئ آخر ، إنما همّهم ذكرى الدار الآخرة لجوار الحبيب .
هامش
( 1 ) وهو ابن كثير الداري ، أحد القراء السبعة . ( 2 ) أي : « خالصة » بغير تنوين ، مضافا للبيان ، كما في « بشهاب قبس » . وبها قرأ نافع وأبو جعفر . انظر الإتحاف ( 2 / 422 )