تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
الإشارة : ما أعطى اللّه عبدا مكنة إلا بعد محنة ، ولا رفع مقاما إلا بعد ابتلاء ، إما في البدن والمال ، وإما في الدين ، إن صحبه رجوع وانكسار . كأنّ اللّه تعالى إذا أراد أن يرفع عبدا أهبطه إلى أرض قهرية العبودية ، ثم يرفعه إلى مشاهدة عظمة الرّبوبية ، ثم يملكه الوجود بأسره ، يتصرف فيه بهمته كيف شاء . ولذلك قيل في معصية آدم : نعمت المعصية أورثت الخلافة . وشاهده حديث : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى » « 1 » . ومن كان اللّه عنده ، ما ذا يفوته ؟ وقوله تعالى :
وَهَبْ لِي مُلْكاً . .
إلخ ، قال القشيري : لم يطلب الملك الظاهر ، وإنما أراد به أن يملك نفسه ، فإن الملك - على الحقيقة - من ملك نفسه ، فمن ملكها لم يتّبع هواه ، - أي : فيكون حرا ، فيملكه اللّه التصرف في الوجود . ثم قال : ويقال أراد به كمال حاله في شهود ربه ، حتى لا يرى معه غيره ، ويقال : سأل القناعة التي لا يبقى معها اختيار . ه . وقوله تعالى :
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
، هو عند الأولياء ليس خاصا بسليمان ، ف كل من تمكّن مع اللّه التمكن الكبير يفوض إليه الأمر ، ويقال : افعل ما شئت ، وشاهده : حديث أهل بدر . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي : رضي اللّه عنه يبلغ الولىّ مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، وأسقطنا عك الملامة ، فاصنع ما شئت . ثم استشهد بالآية في حق سليمان ، هذا ، وإن كان للنبي من أجل العصمة ، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه ، من أجل الحفظة . ثم ذكر أيوب عليه السّلام ، فقال :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 41 إلى 44 ]

وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 )
هامش
( 1 ) سبق تخريج الحديث .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 31 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان