تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
يقول الحق جل جلاله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
، وهو ابن عيصو ابن إسحاق عليه السّلام ، أي : من ذريته ؛ لأنه بعد يوسف ، وامرأته : رحمة بنت إفرائيم بن يوسف .
إِذْ نادى رَبَّهُ
، وهو بدل اشتمال من « عبدنا » . و « أيوب » : عطف له ،
أَنِّي
أي : بأنى
مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ
« 1 » أي : تعب ، وفيه قراءات بفتحتين ، وبضمتين ، وبضم وسكون ، وبنصب وسكون .
وَعَذابٍ
أي : ألم ، يريد ما كان يقاسيه من فنون الشدائد ، وهو الضر في قوله :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
« 2 » ، وهو حكاية لكلامه الذي ناداه به ، وإلا لقيل : إنه مسه . وإسناده إلى الشيطان على طريق الأدب في إسناد ما كان فيه كمال إلى اللّه تعالى ، وما كان فيه نقص إلى الشيطان أو غيره ، كقول الخليل :
وَإِذا مَرِضْتُ
« 3 » ولم يقل : أمرضني . وكقول يوشع عليه السّلام :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ
« 4 » . وفي الحقيقة : كل من عند اللّه . وقيل : أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه ، من تعظيم ما نزل به من البلاء ، ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى اللّه في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء ، أو بدفعه ورده بالصبر الجميل . وروى : أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه ، فقيل : ألقى إليه الشيطان : أن اللّه لا يبتلى الأنبياء والصالحين ، فشكا ذلك إلى ربه . وذكر في سبب بلائه ؛ أنه ذبح شاة فأكلها ، وجاره جائع ، أو : رأى منكرا فسكت عنه ، أو : استغاثه مظلوم فلم يغثه ، أو : كانت مواشيه في ناحية ملك كافر ، فداهنه ، فلم يغره ، أو : سؤاله امتحانا لصبره ، أي : هل يصبر أم لا ، أو : ابتلاه لرفع درجاته بلا سبب ، وهو أولى « 5 » .
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ
، حكاية ما أجيب به أيوب عليه السّلام ، أي : أرسلنا له جبريل عليه السّلام بعد انتهاء مدة مرضه ، فقال له : اركض ، أي : اضرب برجلك الأرض ، وهي أرض موضع بالجابية « 6 » ، فضربها ، فنبعت عين ، فقيل :
هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
أي : هذا ما تغتسل منه ، وتشرب منه ، فيبرأ ظاهرك وباطنك ، وقيل : نبعت له عينان ؛ حارة للاغتسال ، وباردة للشرب ، فاغتسل من إحداهما ، فبرئ ما في ظاهره ، وشرب من الأخرى ، فبرئ ما في باطنه ، بإذن اللّه تعالى . ومدة مرضه قيل : ثمان عشرة سنة ، وقيل : أربعين ، وقيل : سبع سنين ، وسبعة أشهر ، وسبعة أيام ، وسبع ساعات « 7 » .
هامش
( 1 ) قرأ أبو جعفر « بنصب » بضم النّون والصاد ، وقرأ يعقوب بفتحهما ، وقرأ الباقون بضم النّون وسكون الصاد . انظر الإتحاف ( 2 / 421 ) ( 2 ) من الآية 83 من سورة الأنبياء . ( 3 ) من الآية 80 من سورة الشعراء . ( 4 ) من الآية 63 من سورة الكهف . ( 5 ) انظر تفسير النّسفى ( 3 / 157 ) . ( 6 ) الجابية : موضع بالشام . ( 7 ) راجع ( 3 / 487 ) من هذا الكتاب .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 32 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان