تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
فإذا لم يرض عن نفسه ، وهذبها ، استقامت أحواله ، وكان من المحسنين ، الذين قال اللّه - تعالى - في شأنهم :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
أي : جمعوا بين التوحيد ، الذي هو خاصة العلم ، والاستقامة في الظاهر ، التي هي منتهى العمل ،
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
من لحوق مكروه ،
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على فوات مرغوب ، و « ثم » للدلالة على تراخى رتبة العمل ، وتوقف الاعتداد به على التوحيد . ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ، والتعبير بالمضارع للدلالة على دوام نفى الحزن عنهم ،
أُولئِكَ
الموصوفون بما ذكر من الاسمين الجليلين ،
أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها
: حال من أصحاب الجنة ، والعامل : معنى الإشارة ،
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
من الأعمال الصالحة ، و « جزاء » مصدر لمحذوف ، أي : جوزوا جزاء ، أو بمعنى ما تقدم ، فإن قوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
في معنى : جزيناهم . الإشارة : مضى تفسير الاستقامة ، وأنّ من درج على الإيمان والاستقامة حظى بكلّ كرامة ، ووصل إلى جزيل السلامة ، وقيل : السين في الاستقامة سين الطلب ، وأنّ المستقيم يتوسل إلى اللّه - تعالى - في أن يقيمه على الحق ، ويثبته على الصدق . ه . قال الورتجبي : ما قال القوم هذا القول - أي : « ربنا اللّه » - حتى شاهدوه بقلوبهم ، وعقولهم ، وأرواحهم ، وأسرارهم ، مشاهدة الحق سبحانه ، فإذا رأوه يقولون : هذا الهلال ، وصاحوا ، وضحكوا ، فهذا القول منهم بعد كشف مشاهده الحق لهم ، فلما رأوه أحبوه وعرفوه ، وشربوا من بحار وصاله ، حتى تمكنوا ، فاستقاموا بقوتها في موازاة رؤية أنوار الأزل والآباد ، واستقاموا في مراد اللّه منهم ، وأداء حقوق عبوديته ، فلا يبقى عليهم خوف الحجاب ، ولا حزن العتاب ، قال اللّه تعالى :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
. ه . ثم وصّى بالربوبية الصغرى بعد الكبرى ، فقال :