تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
والبرص ، فإذا بلغ الخمسين خفف اللّه عنه الحساب ، فإذا بلغ ستين سنة رزقه اللّه الإنابة كما يحب ، فإذا بلغ سبعين سنة ؛ غفر اللّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وشفع في أهل بيته ، وناداه مناد من السماء : هذا أسير اللّه في أرضه » . وهذا في العبد المقبل على اللّه . واللّه تعالى أعلم . وقرئ : « حتى إذا استوى وبلغ أشدّه » .
قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي
أي : ألهمني
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
من الهداية والتوحيد ، والاستقامة على الدين ،
وَعَلى والِدَيَّ
كذلك ، وجمع بين شكر النّعمة عليه وعلى والديه ؛ لأن النّعمة عليهما نعمة عليه ،
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
، التنكير للتفخيم والتكثير ، قيل : هو الصلوات الخمس ، والعموم أحسن ،
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
أي : واجعل الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم ، أو : اجعل ذريتي موقعا للصلاح دائما فيهم ،
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ
من كلّ ذنب ،
وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
الذين أخلصوا لك أنفسهم ، وانقادوا إليك بكليتهم . « 1 » قال علىّ رضي اللّه عنه : نزلت في أبى بكر - رضي اللّه عنه ، ولم تجتمع لأحد من أصحاب النّبى صلّى اللّه عليه وسلم من المهاجرين من أسلم أبواه غيره ، وأوصاه اللّه بهما . ه . فاجتمع لأبى بكر إسلام أبى قحافة وأمه « أم الخير » وأولاده ، عبد الرّحمن ، وابنه عتيق ، فاستجاب اللّه دعاءه في نفسه وفي ذريته ، فإنه آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، ودعا لهم وهو ابن أربعين سنة . قال ابن عباس : أعتق أبو بكر تسعة من المؤمنين ، منهم : بلال ، وعامر بن فهيرة ، ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه اللّه عليه . « 2 » ه . قال ابن عطية : معنى الآية : هكذا ينبغي للإنسان أن يكون ، فهي وصية اللّه - تعالى - للإنسان في كلّ الشرائع ، وقول من قال : إنها في أبى بكر وأبويه ضعيف ، لأن هذه نزلت في مكة بلا خلاف ، وأبو قحافة أسلم يوم الفتح . ه . قلت : كثيرا ما يقع في التنزيل تنزيل المستقبل منزلة الماضي ، فيخبر عنه كأنه واقع ، ومنه :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
« 3 » و
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
« 4 » ، وهذه الآية في إسلام أبى قحافة . واللّه تعالى أعلم .
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
« 5 » من الطاعات ، فإن المباح لا يثاب عليه إلا بنية صالحة ، فإنه ينقلب حينئذ طاعة ، وضمّن « يتقبل » معنى يتجاوز ، فعدّاه بعن ؛ إذ لا عمل يستوجب القبول ، لولا عفو
هامش
( 1 ) ذكره القرطبي ( 7 / 6201 ) . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 258 ) وزاد المسير ( 7 / 378 ) . ( 3 ) الآية 10 من سورة الأحقاف . ( 4 ) الآيتان 6 - 7 من سورة فصلت . ( 5 ) قراءة حمزة والكسائي وحفص ( نتقبل ، ونتجاوز ) بالنون المفتوحة و « أحسن » بالنصب ، وقرأ الباقون ( يتقبل - يتجاوز ) بالياء المضمومة ، ورفع « أحسن » . . انظر الإتحاف ( 2 / 471 ) .