تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
ثم حكى مقالة أخرى للكفار من مقالاتهم الباطلة ، فقال :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا
أي : لأجلهم ، وهو كلام كفار مكة ، قالوا : إنّ عامة من يتبع محمد السّقاط ، يعنون الفقراء ، كعمار وصهيب وبلال وابن مسعود - رضي اللّه عنهم - قالوا :
لَوْ كانَ
ما جاء به محمد من القرآن والدين
خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
، فإن معالى الأمور لا تنالها أيدي الأراذل ، فإنّ عامتهم فقراء وموال ورعاة ، قالوه زعما منهم أن الرّئاسة الدينية مما تنال بأسباب دنيوية ، كما قالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
« 1 » ، وضلّ عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية ، وملكات روحانية ، مبناها : الإعراض عن زخارف الدنيا ، والإقبال على اللّه بالكلية ، وأنّ من فاز بها حازها بحذافيرها ، ومن حرمها فما له عند اللّه من خلاق . والحاصل : أن هذه المقالة سببها الرّضا عن النّفس ، وهو أصل كلّ معصية وغفلة . ثم قال تعالى :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ
، العامل في الظرف محذوف ؛ لدلالة الكلام عليه ، أي : وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم ، وقالوا ما قالوا .
فَسَيَقُولُونَ
غير مكتفين بنفي خيريته :
هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
أي : كذب متقادم ، كقوله :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
« 2 » . وقال القشيري : إنه تكذيب للرسل فيما بيّن لهم ، فيما أنزل عليهم من بعثة محمد رسولا ، يعنى : فيكون كقوله تعالى :
إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ
« 3 » . وقيل لابن عباس : أين نجد في القرآن « من كره شيئا عاداه » ، فقرأ هذه الآية :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا . .
إلخ .
وَمِنْ قَبْلِهِ
أي : من قبل القرآن
كِتابُ مُوسى
أي : التوراة ، فكتاب : مبتدأ ، و « من قبله » : خبر ، والاستقرار هو العامل في قوله :
إِماماً وَرَحْمَةً
على أنهما حالان من الكتاب ، أي : قدوة يؤتم به في دين اللّه
هامش
( 1 ) من الآية 31 من سورة الزخرف . ( 2 ) من الآية 25 من سورة الأنعام . ( 3 ) من الآية 48 من سورة القصص ، وكذا من الآية 30 من سورة الزخرف .