تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
الإشارة : قل ما كنت بدعا من الرّسل ، وكذلك الولىّ يقول : ما كنت بدعا من الأولياء ، مع العصمة والحفظ وصريح الوعد بالنجاة ، لا تساع معرفتهم وعلمهم باللّه ؛ لأنهم لا يقفون مع وعد ولا وعيد ؛ لأن غيب المشيئة لا يعلم حقيقته إلا اللّه ، وقد يكون الوعد معلقا بشروط أخفاها اللّه عنهم ، ليتحقق اختصاصه بحقيقة العلم ، وفي الحديث : « لا تأمن مكرى وإن أمّنتك » ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره ، وعلى ذلك الششتري في نونيته ، حيث قال :
وأي وصال في القضيّة يدّعى * وأكمل من الخلق لم يدّع الأمنا ؟
هذا ، وقد قال تعالى في حق رسوله صلّى اللّه عليه وسلم :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
« 1 » وقال :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
« 2 » ، ومع ذلك كله لم يقف مع ظاهر الوعد ، لغيب المشيئة ، فقال في حديث ابن مظعون : « واللّه لا أدرى - وأنا رسول - ما يفعل بي » وحديث ابن مظعون بالمدينة بعد الهجرة « 3 » ، فتبيّن أنّ الأمن الحقيقي لا يحصل لأحد قبل الختام ، وإن كان الغالب والطرف الرّاجح أن من وعد بخير أو بشّر به ينجز له بفضل اللّه وكرمه ، والكريم إذا وعد لا يخلف ، لكن المشيئة وقهرية الرّبوبية لا تزال فوق رأس العبد حتى يلقاه . واللّه تعالى أعلم . قال القشيري : وفي الآية دليل على فساد قول أهل البدع ، حيث لم يجوزوا إيلام البريء عقلا ؛ لأنه لو لم يجز ذلك لكان يقول : أعلم قطعا أنى معصوم ، فلا محالة يغفر لي ، ولكنه قال هذا ليعلم أن الأمر أمره ، والحكم حكمه ، له أن يفعل بعباده ما يريد . ه . وقال الورتجبي : لا أدرى أين استغرق في بحار وصال جماله الأبدي ، وهناك لججات تغيب في ذرة منها جميع الأرواح العاشقة ، والأسرار الوالهة ، والقلوب الحائرة . ه . والحاصل : أنه لا يدرى نهاية مناله من اللّه ، لنفى الغاية في حقه تعالى والنّهاية ، وهو صريح استبعاد الششتري دعوى الوصال ، واللّه أعلم . ه من الحاشية .
هامش
( 1 ) الآيتان : 4 - 5 سورة الضحى ( 2 ) الآية الثانية من سورة الفتح . ( 3 ) حديث عثمان بن مظعون - رضي اللّه عنه - أخرجه البخاري في ( الجنائز ، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه ، ح 1243 ) ولفظه : عن خارجة بن زيد بن ثابت : أن أم العلاء - امرأة من الأنصار ، بايعت النّبى صلّى اللّه عليه وسلم - أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا ، فوجع وجعه الذي توفى فيه ، فلما توفى وغسّل ، وكفن في أثوابه ، دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت : رحمة اللّه عليك أبا السائب ، فشهادتى عليك لقد أكرمك اللّه ، فقال النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « وما يدريك أن اللّه قد أكرمه ؟ » فقلت : بأبى أنت يا رسول اللّه ، فمن يكرمه اللّه ؟ فقال : « أما هو فقد جاءه اليقين ، واللّه إني لأرجو له الخير ، واللّه ما أدرى ، وأنا رسول اللّه ، ما يفعل بي ، فو اللّه لا أزكى أحدا بعده أبدا .