تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
، واضحات ، أو : مبينات ، جمع بيّنة ، وهي الحجة والشاهد ،
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ
أي : لأجله وفي شأنه ، والمراد بالحق : الآيات المتلوة ، وبالذين كفروا : المتلوّ عليهم ، فوضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والمتلو بالحق ، والأصل : قالوا في شأن الآيات ، التي هي حق
لَمَّا جاءَهُمْ
أي : بادهوا الحق بالجحود ساعة أتاهم ، وأول ما سمعوه ، من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر :
هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
؛ ظاهر كونه سحر .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ
، إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة - وهي تسميتهم الآيات سحرا ، إلى حكاية ما هو أشنع منها ، وهو كون الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم
افْتَراهُ
أي : اختلقه ، وأضافه إلى اللّه كذبا ، والضمير للحق ، والمراد به الآيات .
قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي : إن افتريته على سبيل الفرض لعاجلنى اللّه بعقوبة الافتراء ، فلا تقدرون على كفه عن معاجلتى ، ولا تملكون لي شيئا من دفعه ، فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه الذي لا مناص منه ؟ !
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
من القدح في وحي اللّه - تعالى - والطعن في آياته ، وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى .
كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
حيث يشهد لي بالصدق والبلاغ ، وعليكم بالكذب والجحود ، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم ،
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
لمن تاب وآمن ، وهو وعد لمن آمن بالمغفرة والرّحمة ، وترغيب في الإسلام . الإشارة : رمى أهل الخصوصية بالسحر عادة مستمرة ، وسنّة ماضية ، ولقد سمعنا هذا فينا وفي أشياخنا مرارا ، فيقول أهل الخصوصية : إن افترينا على اللّه كذبا عاجلنا بالعقوبة ،
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . . .
الآية . ثم أمر نبيه بالجواب عما رموه به ، فقال :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 9 إلى 10 ]

قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً
أي : بديعا ، كخف وخفيف ، ونصب ونصيب ، فالبدع والبديع من الأشياء : ما لم يتقدم مثله ، أي : لست بأول مرسل فتنكر نبوتي ، بل تقدمت الرّسل قبلي ، واقترحت عليهم المعجزات ، فلم يقدروا على الإتيان بشئ إلا ما أظهره اللّه على أيديهم ، في الوقت الذي يريد . قيل : كانت