تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وغواص من الشياطين ،
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
؛ فكان يقرن مردة الشياطين ، بعضهم مع بعض ، في القيود والسلاسل ، للتأديب والكف عن العباد . والصفد : القيد ، وقد يسمى العطاء بالصفد ؛ لأنه ارتباط للمنعّم عليه في يد المنعم . ومنه قول علىّ رضي اللّه عنه : ( من برّك فقد أسرك ، ومن جفاك فقد أطلقك ) ، ومن هذا كانت الصوفية يهربون من خير النّاس ، أكثر مما يهربون من شرهم . قال الشيخ عبد السّلام بن مشيس لأبى الحسن الشاذلي - رضي اللّه عنهما : يا أبا الحسن اهرب من خير النّاس ، أكثر مما تهرب من شرهم ، فإنّ خيرهم يصيبك في قلبك ، وشرهم يصيبك في بدنك ، ولئن تصاب في بدنك خير من أن تصاب في قلبك ، ولعدو تصل به إلى ربك خير من حبيب يقطعك عن ربك . ه .
هذا عَطاؤُنا
، هو حكاية لما خوطب به سليمان من قبل الحق تعالى ، أي : وقلنا له هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم ، والسلطنة ، والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك ، هو عطاؤنا الخاص بك ،
فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ
أي : أعط من شئت ، وامنع من شئت ،
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي : غير محاسب على منّه ومنعه لتفويض التصرف فيه إليك ، فكان إذا أعطى أجر ، وإذا منع لم يأثم ، بخلاف غيره . قال الحسن : إن اللّه لم يعط أحدا عطية إلا جعل فيها حسابا ، إلا سليمان ، فإن اللّه أعطاه عطاء هينا . وهذا مما خص به سليمان عليه السّلام ، وأما غيره ، فيؤخر على بذله ، ويعاقب على منعه من حقه ، و
بِغَيْرِ حِسابٍ
: قيل : متعلق بعطاؤنا ، وقيل : حال من المستكن في الأمر ، أي : هذا عطاؤنا جما كثيرا ، لا يكاد يقدر على حصره ، أو : هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق ، أو : أمسك من شئت منهم في الوثاق ، لا حساب عليك في ذلك .
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى
؛ لقربى في الآخرة ، مع ماله في الدنيا من الملك العظيم ،
وَحُسْنَ مَآبٍ
؛ مرجع ، وهي الجنة . وزلفى : اسم إن ، و « له » : خبر ، و « عند » : متعلق بالاستقرار . روى أن سليمان عليه السّلام لما ورث ملك أبيه ، سار من الشام إلى العراق ، فبلغ خبره كسرى ، فهرب إلى خراسان ، فلم يلبث حتى هلك . ثم سار سليمان عليه السّلام إلى مرو ، ثم إلى بلاد الترك ، فأوغل فيها ، ثم جاز بلاد الصين ، ثم عطف إلى أن وافى بلد فارس ، فنزلها أياما ، ثم عاد إلى الشام ، فأمر بيناء بيت المقدس ، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ، ثم إلى صنعاء ، وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر اللّه ، وغزا بلاد المغرب ؛ الأندلس وطنجة وغيرهما . انظر أبا السعود « 1 » . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) إرشاد العقل السليم ( 7 / 228 ) .