تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
أن الخطيئة قد أدركته ، فكان يطوف على البيوت يتكفف ، وإذا قال : أنا سليمان ، حثوا التراب عليه ، وسبّوه ، ثم عمد إلى السمّاكين ينقل لهم السمك ، فيعطونه كلّ يوم سمكتين ، فمكث على ذلك أربعين صباحا ، عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان ، حتى دخلوا على نسائه ، فقالوا : قد أنكرنا حكمه ، فذهبوا حتى جلسوا بين يديه ، فنشروا التوراة ، فقرؤوها ، فطار من بين أيديهم ، والخاتم معه ، ثم قذفه في البحر ، فابتعلته سمكة ، فوقعت في يد سليمان ، فبقر بطنها ، فإذا هو بالخاتم ، فتختم به ، وخرّ ساجدا للّه ، وعاد إليه ملكه ، وقبض الجنى « صخر » فجعله في وسط صخرة ، وشد عليه بأخرى ، ثم أوثقهما بالحديد والرّصاص ، وقذفه في البحر ، فهو باق فيه . فالجسد على هذا عبارة عن « صخر » سمى به ، وهو جسم لا روح فيه ؛ لأنه تمثيل بما لم يكن كذلك ، والخطيئة : تغافله عليه السّلام عن حال أهله ؛ لأن اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ ، والسجود للصورة بغير علم منه لا يضره . وأنكر بعض المحققين هذه القصة . وقال : لا يصح ما نقله الأخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع ، من تشبه الشيطان بنبيه ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه في أمته والجور في حكمه « 1 » . قال القاضي عياض : الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا ، وقد عصم اللّه الأنبياء عن مثله . ومثله لا بن العربي أيضا . وحكى إنكاره عن السمرقندي . وقال الطيبي : أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد ، كما تقدم . وخالفه ابن حجر ، فقال : قال غير واحد من المفسرين : أن المراد بالجسد المذكور شيطان ، وهو المعتمد ، فاللّه أعلم ، غير أن التنزيه أسلم . قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته : وليس هذه كقصة أيوب ، فيما يذكر أنه تسلط الشيطان على إتلاف ماله وولده ، وضرره في جسده ؛ لأن ذلك إنما فيه تسلط على محض ضرر دنيوي لا ديني . وقد قال عليه الصلاة والسّلام : « تفلت علىّ البارحة عفريت . . . » الحديث « 2 » . وكذا سحر ، وسمّ وشجّ . والتسلط المذكور في حق سليمان ، فيه تلبيس في الدين فلا يصح ، إلا أن يقال : أنه لم يقر ، بل رفع اللبس بعد ذلك ، كما في آية :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
« 3 » ، واللّه أعلم ه .
هامش
( 1 ) قال النّسفى - رحمه اللّه - في تفسيره ( 3 / 156 ) : وأما ما يروى من حديث الخاتم ، والشيطان ، وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السّلام ، فمن أباطيل اليهود . وقال في البحر المحيط ( 7 / 381 ) : نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا ، يجب براءة الأنبياء منها ، يوقف عليها في كتبهم ، وهي مما لا يحل نقلها ، وإما هي من أوضاع اليهود والزنادقة . للمزيد انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 36 ) والإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ( 270 - 275 ) . ( 2 ) ولفظه كاملا : « إن عفريتا من الجن تفلت علىّ البارحة ، ليقطع علىّ الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فأخذته ، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد ، تنظروا إليه كلكم . فذكرت دعوة أخي سليمان :رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيفرددته خاسئا » أخرجه البخاري في ( الأنبياء ، باب قوله تعالى :وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌح 2423 ) ومسلم في ( المساجد ، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه . 1 / 384 ح 541 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) من الآية 52 من سورة الحج .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 28 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان