قوله تعالى :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ . . .
الآية ، قال القشيري : فمن لا يؤمن بها فبأي حديث يؤمن ؟ ومن أي أصل ينشأ بعده « 1 » ؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف ؟ هيهات ما بقي للإشكال في هذا مجال . ه .
ثم ذكر حال من أعرض عنها ، فقال
[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 7 إلى 11 ]
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 ) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 9 ) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 10 ) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 )
يقول الحق جل جلاله :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ
؛ كذّاب
أَثِيمٍ
؛ كثير الآثام ،
يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ
التنزيلية
تُتْلى عَلَيْهِ
، وجملة « يسمع » صفة أخرى لأفّاك ، أو استئناف ، أو حال من ضمير « أثيم » ، و « تتلى » : حال من « آيات اللّه » ،
ثُمَّ يُصِرُّ
أي : يقيم على كفره ، حال كونه
مُسْتَكْبِراً
عن الإيمان بالآيات ، والإذعان لما تنطق به من الحق ، مزدريا بها ، معجبا بما عنده من الأباطيل . قيل : نزلت في النّضر بن الحارث ، وكان يشترى من أحاديث الأعاجم ، ويشغل بها النّاس عن سماع القرآن « 2 » ، والآية عامة في كلّ من كان مضارا لدين اللّه وجيء بثمّ لأن الإصرار على الضلالة ، والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن ، مستبعد في العقول . ثم قال :
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
أي : كأنه لم يسمعها ، فأن مخففة ، ومحل الجملة النّصب على الحال ، أي : يصر شبيها بغير السامع ،
فَبَشِّرْهُ
على إصراره واستكباره
بِعَذابٍ أَلِيمٍ
أي : أخبره خبر يظهر أثره على البشرة ، تهكما به .
وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً
أي : إذا بلغه من آياتنا شيئا يمكن أن يتشبث بها المعاند ، ويجد له محملا فاسدا يتوسل به إلى الطعن والمغمزة ،
اتَّخَذَها
أي : مهزوءا بها ، لا ما يسمعه فقط ، وإنما لم يقل : اتخذه ؛ للإشعار بأنه إذا أحسّ بشئ من الكلام فيه شئ بزعمه الرّكيك ؛ لم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه ، بل يستهزئ بالجميع ، ويجوز أن يرجع الضمير ( لشئ ) لأنه في معنى الآية .
أُولئِكَ لَهُمْ
بسبب جناياتهم المذكورة
عَذابٌ مُهِينٌ
، وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات اللّه تعالى ، وجمع الإشارة باعتبار
هامش
( 1 ) في القشيري : [ يستمد بعده ] وهو أنسب .
( 2 ) ذكره في البحر المحيط ( 8 / 44 ) .