تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
فضل معرفته ، وزيادة الترقي في كشف الأسرار ، وهذا لمن اتسع عليه فضاء الشهود ، وزاحت عنه حجب الكائنات ، وأما من بقي مسجونا فيها ، السماء تظله ، والأرض تقله ، فلا يطمع أن تسرح فكرته في هذه البحار ، وحسبه أن يكون حمارا يسافر في البر ، تعبه كثير ، وربحه قليل ، والغناء به بعيد ، وسبب بقائه في تعب البر عدم صحبته للرجال البحرية ، الذين هم ريّاس البحر ، وشيوخ ركّب البر . وباللّه التوفيق . قال القشيري :
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ
تركبونه ، فربما تسلم السفينة ، وربما تغرق ، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير ، تمشى بهم رياح العناية ، وترفع لهم شراع التوكل ، تجرى في البحر لتجر اليقين ، فإن هبت رياح السلامة نجت السفينة ، وإن هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شئ ، فعند ذلك المقادير غالبة ، وبلغت قلوب أهل السفينة الحناجر . ه . قلت : من ركب مع رائس ماهر ؛ الغالب عليه السلامة . قوله تعالى :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
، في بعض الأثر : يقول اللّه تعالى : « يا ابن آدم ؛ خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلى ، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك لأجله » « 1 » أي : لا تنشغل بخدمة الكون عن خدمة المكوّن ، فما أفلح من انشغل بدنياه ، وآثر هواه على خدمة مولاه ، كان حرا والأشياء كلها عبيد له ، فصار عبدا لعبيده ، بحبه للأشياء وتعشقه لها ، كانت الأشياء تعشقه وتخدمه ، ثم صار يخدم الأشياء ويعشقها ، أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدت المكوّن كانت الأكوان معك ، فاعرف قدرك أيها الإنسان ، وارفع همتك عن الأكوان ، وعلّق قلبك بالملك الديان ، يعطك الحق تعالى من العرش إلى الفرش ، تتصرف فيه بهمتك كيف شئت ، وما ذلك على اللّه بعزيز . ثم بيّن الطريق الموصل إلى هذا ، وهو حسن الخلق مع كلّ مخلوق ، فقال :

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 ) قلت : ( يغفروا ) ، قيل : جواب الأمر المذكور ، أي : إن تقل يغفروا ، وقيل : لأمر محذوف ، أي : قل لهم اغفروا يغفروا ، وقيل : حذف لام الأمر ، أي : ليغفروا ، وقرأ أبو جعفر : ( ليجزى قوما ) بالبناء للمفعول ، ونصب ( قوما ) إما
هامش
( 1 ) رواه الشيخ محى الدين ابن عربى في « مشكاة الأنوار فيما روى عن اللّه سبحانه من الأخبار ، ح 58 » وقال : « رويته من جزء الرّبعى » .