تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
الإشارة : قال القشيري : الحاء تدل على حياته ، والميم تدل على مودته ، كأنه قال : بحق حياتي ومودتي لأوليائي ، لا شئ أعز على أحبائي من لقائي ، العزيز في جلاله ، الحكيم في فعاله ، العزيز في أزله ، الحكيم في لطفه بالعبد بوصف إقباله . قوله تعالى :
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .
الآية ؛ شواهد الرّبوبية لائحة ، وأدلة الإلهية واضحة ، فمن صحا فكره عن سكر الغفلة ، ووضع سرّه في محل العبرة ، حظى - لا محالة - بحقائق الوصلة . ه . قلت : إنما يحظى بالوصله إذا نفذت بصيرته إلى شهود المكوّن ، ولم يقف مع شئ من حس الكائنات ، بل نفذ إلى ما فيها من أسرار المعاني ، فعرف فيها مولاها ، وشاهد فيها المتجلى بها ، وإلا بقي مسجونا محصورا في ذاته . قوله تعالى :
وَفِي خَلْقِكُمْ . . .
الآية ، قال القشيري : إذا أنعم العبد النّظر في استواء قدّه وقامته ، واستكمال خلقه « 1 » ، وتمام تمييزه ، وما هو مخصوص به من جوارحه وحوائجه ، ثم فكّر فيما عداه من الدواب ، وأجزائها وأعضائها ، ووقف على اختصاصه ، وامتياز بني آدم من بين البريّة من الحيوانات ، في الفهم والعقل والتمييز والعلم ، ثم في الإيمان والعرفان ، ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة من فنون الإحسان ؛ عرف تخصيصهم بمناقبهم ، وانفرادهم بفضلهم ، فاستيقن أن اللّه أكرمهم ، وعلى كثير من المخلوقات قدّمهم . ثم قال في قوله :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . . .
الآية . جعل اللّه العلوم الدينية كسبية مصحّحة بالدلائل ، محتفة بالشواهد ، فمن لم يستبصر لها زلّت قدمه عن الصراط المستقيم ، ووقع في عذاب الجحيم ، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد . ه . قلت : النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير ، ولا صحبة أهل التنوير ، لا تزيد إلا حيرة ، ولذلك قال بعضهم : إيمان أهل علم الكلام كالخيط في الهواء ، يميل مع كل ريح ، فالتقليد حينئذ أسلم ، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة أتم ، ومن سقط على العارفين باللّه ، لم يحتج إلى دليل ولا شاهد ، وأغناه شهود الشهيد عن كلّ شاهد .
عجبت لمن يبغى عليك شهادة * وأنت الذي أشهدته كلّ شاهد .
كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ ! تنزه الحق تعالى أن يفتقر إلى دليل يدلّ عليه ، بل به يستدل على غيره ، فلا يجد غيره . تلك آيات شواهد نتلوها عليك لترانا فيها ، لا لتراها مفروقة عنا ، ولذلك قال تعالى : ( بالحق ) ، أي : ملتبسة بنور الحق ، اللّه نور السماوات والأرض .
هامش
( 1 ) في القشيري : عقله .