تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وهو الأوفق بقوله :
وَفِي خَلْقِكُمْ
أي : من نطفة ثم من علقة متقلبة من أطوار مختلفة إلى تمام الخلق ،
وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ
: عطف على المضاف دون المضاف إليه ، أي : وفي خلق ما يبث ، أي : ينشر ويصرّف من دابة
آياتٌ
ظاهرة على باهر قدرته وحكمته ،
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
أي : من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه ، ويعرفوا فيها صانعها ،
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي : تعاقبهما بالذهاب والمجيء ، أو : تفاوتهما طولا ، وقصرا ،
وَ
في
ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ
؛ مطر ؛ لأنه بسبب الرّزق ، فعبّر عن السبب بالمسبب ؛ لأنه نتيجته ، تنبيها على كونه آية من جهة القدرة والرّحمة ،
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ
بأن أخرج أصناف الزرع والثمرات والنّبات
بَعْدَ مَوْتِها
أي : خلوها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها ، وخلو أشجارها عن الثمار والأزهار .
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
أي : هبوبها من جهة إلى أخرى ، ومن حال إلى حال ، وتأخيره عن نزول المطر مع تقدمه عليه في الوجود ، إما للإيذان بأنه آية مستقلة ، ولو روعى الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح ونزول المطر آية واحدة ، أو : لأن كون التصريف آية ليس مجرد كونه مبتدأ لإنشاء المطر ، بل له ولسائر المنافع ، التي من جملتها : سوق السفن في البحار ، وإلقاح الأشجار ،
آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
؛ يتدبرون بعقولهم ، فيصلون إلى صريح التوحيد . وفي تقديم الإيمان على الإيقان ، وتأخير تدبر العقل ؛ لأن العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظرا صحيحا ؛ علموا أنها مصنوعة ، وأنه لا بدّ لها من صانع ، فآمنوا باللّه ، وإذا نظروا في خلق أنفسهم ، وتنقلها من حال إلى حال ، وفي خلق ما ظهر على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا وأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كلّ وقت ، كتعاقب الليل والنّهار ، ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بعد موتها ، وتصريف الرّياح ، جنوبا وشمالا ، ودبورا وصبا ، عقلوا ، واستحكم في عقولهم ، وخلص يقينهم ، فكانوا من ذوى الألباب .
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ
؛ مبتدأ وخبر ، و
نَتْلُوها عَلَيْكَ
حال ، والعامل : معنى الإشارة ، أي : تلك الآيات المتقدمة هي آيات اللّه الدالة على وجوب وجوده واتصافه بأوصاف الكمال ، حال كونها متلوة عليك ، ملتبسة
بِالْحَقِّ
أو : نتلوها محقين في ذلك ، فالجار والمجرور : حال من المفعول أو الفاعل .
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ
من الأحاديث
بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ
أي : بعد آيات اللّه ، كقولك : أعجبني زيد وكرمه ، أي : أعجبني كرم زيد ، أو : بعد حديث اللّه ، الذي هو القرآن ، وآياته العامة في كلّ شئ ، فيكون على حذف مضاف ، أو : يراد بها القرآن أيضا ، والعطف للتغاير العنواني ، فالأول من جهة كونه حديثا حسنا ، والثاني باعتبار كونه معجزا ، أي : فبأي حديث بعد أحسن الحديث وأبهر الآيات
يُؤْمِنُونَ
؛ يصدّقون ؟ ! ومن قرأ بالخطاب « 1 » يقدر : قل يا محمد .
هامش
( 1 ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب « يؤمنون » بالتاء ، وقرأ الباقون بالغيب . انظر الإتحاف ( 2 / 466 ) .