تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
الرّيح تبكى شجوها * والبرق يلمع في الغمامة « 1 »
وقال جرير ، يرثى عمر بن عبد العزيز :
فالشّمس طالعة ليست بكاسفة * تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له * وقمت فينا بأمر اللّه يا عمرا « 2 » .
وقيل : البكاء حقيقة ، وأن المؤمن تبكى عليه من الأرض مصلّاه ، ومحل عبادته ، ومن السماء مصعد عمله ، كما في الحديث « 3 » ، وإذا مات العالم بكت عليه حيتان البحر ، ودوابه ، وهوام البر وأنعامه ، والطير في الهواء ، وهؤلاء لمّا ماتوا كفارا لم يعبأ الوجود بفقدهم ، بل يفرح بهلاكهم .
وَما كانُوا
لمّا جاء وقت هلاكهم
مُنْظَرِينَ
؛ ممهلين إلى وقت آخر ، أو إلى الآخرة ، بل عجّل لهم في الدنيا .
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ
لما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا
مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ
، من استعباد فرعون إياهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم ،
مِنْ فِرْعَوْنَ
، بدل من العذاب المهين بإعادة الجار ، كأنه في نفسه كان عذابا مهينا ، لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم ، أو خبر عن مضمر ، أي : ذلك من فرعون ، وقرئ « من فرعون » « 4 » على معنى : هل تعرفونه من هو في عتوه وتفرعنه ؟ وفي إبهام أمره أولا ، وتبيينه بقوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ
ثانيا ، من الإفصاح عن كنه أمره في الشر والفساد مما لا مزيد عليه ، وقوله تعالى :
مِنَ الْمُسْرِفِينَ
إما خبر ثان ، أي : كان متكبرا مسرفا ، أو حال من الضمير في « عاليا » ، أي : كان رفيع الطبقة من بين المسرفين ، فائقا لهم ، بليغا في الإسراف .
هامش
( 1 ) هذا البيت من أبيات قالها ابن المفرّغ في بيعه جارية تسمى « الأراكة » وغلاما يسمى « بردا » ، وكانا أعز عليه من نفسه ، وقد رغمه عباد بن زياد على بيعهما ، ومن أبيات ابن المفرغ هذه :والعبد يقرع بالعصا * والحرّ تكفيه الملامةوالقصة في خزانة الأدب . ( 2 ) انظر ديوان جرير / 235 . وأمالي المرتضى ( 1 / 52 ) . ( 3 ) أخرج ابن جرير في التفسير ( 25 / 124 ) من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه موقوفا : « ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء ، منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله ، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء فقده فبكى عليه ، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلى فيها ، ويذكر اللّه فيها ، بكت عليه ، وإن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة ، ولم يكن يصعد إلى اللّه منهم خير ، فلم تبك عليهم السماء والأرض » . وأخرج الترمذي في ( التفسير - سورة الدخان ح 3255 ) وأبو يعلى في مسنده ( 4 / 157 ) والبغوي في التفسير ( 7 / 232 ) والخطيب في تاريخ بغداد ( 8 / 327 ) عن أنس بن مالك مرفوعا : « ما من مؤمن إلا وله بابان ، باب يصعد منه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه ، ذلك قوله عز وجل :فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ، قال الترمذي : حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه » . وانظر مجمع الزوائد 7 / 105 . ( 4 ) على الاستفهام . عزاها أبو حيان لابن عباس رضي اللّه عنه ، انظر البحر المحيط 8 / 38 .