تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
يقول الحق جل جلاله :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
أي : كثيرا ما ترك فرعون وجنوده بمصر من بساتين . روى أنها كانت متصلة بضفتى النّيل جميعا ، من رشيد إلى أسوان ، ( وعيون ) يحتمل أن يريد الخلجان ، شبهها بالعيون ، أو كانت ثمّ عيون وانقضت ،
وَزُرُوعٍ
أي : مزارع ،
وَمَقامٍ كَرِيمٍ
، محافل مزينة ، ومنازل محسّنة ، وسماه كريما ؛ لأنه مجلس الملوك ، وقيل : المنابر ،
وَنَعْمَةٍ
أي : بسطة ولذاذة عيش وتنعّم ،
كانُوا فِيها فاكِهِينَ
أي : متنعّمين فرحين مسرورين . وفي المشارق : النعمة - بالفتح : التنعم ، وبالكسر : اسم ما أنعم اللّه به على عباده ، قال ابن عطية : النعمة - بالفتح : غضاوة العيش ، ولذاذة الحياة ، والنّعمة - بالكسر : أعم من هذا كله ، وقد تكون الأمراض والمصائب نعما ، ولا يقال فيها نعمة بالفتح . ه . فانظره .
كَذلِكَ
، أي : الأمر كذلك ، فالكاف في محل الرّفع ، على أنه خبر عن مضمر ، أو نصب على أنه مصدر لمحذوف يدل عليه : ( تركوا ) أي : مثل ذلك السلب سلبناهم إياها ،
وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
ليسوا منهم في شئ في قرابة ولا دين ، ولا ولاء ، وهم بنو إسرائيل ، بأن تولوا أحكامها والتصرف فيها . وقال الحسن : رجعوا بعد هلاك فرعون إلى مصر ، نظيره :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ . . .
« 1 » الآية ، ومثله عن القرطبي والبيضاوي ، وكذلك في نوادر الأصول ، وقد تقدم الكلام عليه في الشعراء « 2 » . وفي الآية اعتبار واستبصار ، وتنبيه للعاقل على عدم الاغترار ، وسيأتي في الإشارة ما فيه كفاية نظما ونثرا .
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
، مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم ، والاعتداد بوجودهم ، وفيه تهكم بهم ، وبحالهم المنافية ، بحال من يعظم فقده ، فيقال : بكت عليهم السماء والأرض ، وكانت العرب إذا عظّمت مهلك رجل قالوا : بكته الرّيح والبرق والسماء ، قال الشاعر :
هامش
( 1 ) من الآية 137 من سورة الأعراف . ( 2 ) عند تفسير الآية 59 من سورة الشعراء .