تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وقيل : لمّا عقرها أبدل اللّه تعالى له خيرا منها ، وهي الرّيح تجرى بأمره ،
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي
، قاله عليه السّلام عند غروب الشمس ، اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة أو الذكر ، وغايته حينئذ : أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر اللّه من الاشتغال بالدنيا ، فترك الأولى ، وتحسر لذلك ، وأمر بالقطع . وأما حمله على الصلاة والاشتغال بها حتى يفوت الوقت ، فذنب عظيم ، تأباه العصمة . قاله شيخ شيوخنا الفاسي . وقد يجاب بأنّ تركه كان نسيانا وذهولا ، لا عمدا ، فلا معصية . وعدّى « أحببت » ب « عن » دون « على » ؛ لتضمنه معنى النّيابة ، أي : أنبت حب الخير « 1 » ، وهو المال الكثير ، والمراد : الخيل التي شغلته عن ذكر ربه ،
حَتَّى تَوارَتْ
أي : استترت
بِالْحِجابِ
أي : غربت واحتجبت عن العيون ، و « عن » : متعلق بأحببت ، باعتبار استمرار المحبة ودوامها . حسب استمرار العرض ، أي : أنبت حب الخير عن ذكر ربى ، واستمر ذلك حتى غربت الشمس . وإضمارها من غير تقدم ذكر لدلالة « العشى » عليها .
رُدُّوها عَلَيَّ
، هو من مقالة سليمان ،
فَطَفِقَ مَسْحاً
، الفاء فصيحة ، مفصحة عن جملة حذفت ، لدلالة الكلام عليها ، إيذانا بسرعة الامتثال ، أي : فردّوها عليه ، فأخذ يمسح السيف مسحا
بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ
أي : بسوقها وأعناقها يقطعها ، من قولهم : مسح عنقه بالسيف ، وقيل : جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها ، حبا لها ، وإعجابا بها ، وهو ينافي سياق الكلام « 2 » . الإشارة : لم يذكر الحق تعالى لسليمان ترجمة مخصوصة ، كما ذكر لغيره بقوله :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ
،
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ
، بل خرطه في سلك ترجمة أبيه ، وجعله هبة له ؛ تنبيها على أن مقام أهل الجمال الدنيوي ، لا يبلغ مقام أهل الجلال ؛ ففيه تنبيه على أن الفقير الصابر أعظم من الغنى الشاكر . قاله في القوت . وقوله تعالى :
فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ
، فيه : أن من ترك شيئا عوّضه اللّه خيرا منه ، فمن كان في اللّه تلفه ، كان على اللّه خلفه . وفيه حجة للصوفية على إتلاف كلّ ما شغل القلب عن اللّه ، كما فعل الشبلي من تمزيق الثياب الرفهة « 3 » . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أي : أنبت حب الخير عن ذكر ربى ووضعته موضعه . ( 2 ) وقيل معناه : أنه حبسها في سبيل اللّه ، وكوى سوقها وأعناقها بكىّ الصدقة . وهذا هو الذي رحجه أبو حيان ، لأنه يناسب مناصب الأنبياء ، لا القول الأول ؛ فإن فيه ما لا يليق ذكره بالنسبة للأنبياء . انظر البحر المحيط ( 7 / 380 ) . ( 3 ) قال القرطبي في تفسير ( 6 / 5806 ) : وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان هذا ، وهو استدلال فاسد ، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد . والمفسرون اختلفوا في معنى الآية . . . وأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح ، فإنه لا يجوز . . انظر بقية كلامه .