تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الإشارة : أعداء اللّه هم الجاحدون لوحدانيته ولرسالة رسله ، وهم الذين تشهد عليهم جوارحهم ، وأما المؤمن فلا ، نعم إن مات عاصيا شهدت عليه البقع أو الحفظة ، فإن تاب أنسى اللّه حفظته ومعالمه في الأرض ذنوبه . قال في التذكرة : إن العبد إذا صدق في توبته أنسى اللّه ذنوبه لحافظيه ، وأوحى إلى بقع الأرض وإلى جميع جوارحه : أن اكتموا مساوئ عبدي ، ولا تظهروها ، فإنه تاب إلىّ توبة صادقة ، بنية مخلصة ، فقبلته وتبت عليه ، وأنا التواب الرحيم . وفي الآية حث على حسن الظن باللّه ، وفي الحديث : « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه عز وجل » « 1 » وقال أيضا : « يقول اللّه - عز وجل : أنا عند ظنّ عبدي بي . . . » الحديث « 2 » فمن ظن خيرا لقى خيرا ، ومن ظن شرا لقى شرا . وباللّه التوفيق . ثم إن سبب الغواية أو الهداية هي الصحبة ، كما قال تعالى :

[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 25 ]

وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 25 ) يقول الحق جل جلاله :
وَقَيَّضْنا
أي : سيّرنا ، أو : قدّرنا ،
لَهُمْ
أي : كفار مكة في الدنيا
قُرَناءَ
سوء من الجن والإنس ، أو : سلطنا عليهم نظراء لهم من الشياطين يستولون عليهم ، كقوله :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
« 3 » ،
فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
من أمور الدنيا ، واتباع الشهوات ، والتقليد لأسلافهم ، حتى حادوا عن الحق ،
وَما خَلْفَهُمْ
من أمور الآخرة ، حيث ألقوا إليهم : ألا بعث ولا حساب . أو : ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها ،
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
أي : ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب ، أو : تحقق موجبها ومصداقها ، وهي قوله تعالى لإبليس :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
« 4 » ، حال كونهم
فِي
جملة
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : قبل أهل مكة
مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في ( كتاب الجنة وصفة نعيمها ، باب الأمر بحسن الظن باللّه ، 4 / 2205 ، ح 2877 ) عن جابر رضي اللّه عنه . ( 2 ) جزء من حديث أخرجه البخاري في ( كتاب التوحيد ، باب قول اللّه تعالى :وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *، ح 7405 ) ومسلم في ( كتاب الذكر والدعاء ، باب الحث على ذكر اللّه تعالى ، 4 / 2061 ح 2675 ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 3 ) الآية 36 من سورة الزخرف . ( 4 ) من الآية 85 من سورة « ص » .