تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
لا يتعجب من إنطاقه جوارحكم . ولعل صيغة المضارع ، مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع ، كما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث ، بل ما يعمه ، وما يترتب عليه من العذاب الخالد المترقب عند التخاطب ، على تغليب المتوقع على الواقع ، مع ما فيه من مراعاة الفواصل ، فهذا على أنه من تتمة كلام الجلود ، وقيل : هو من كلام الحق - تعالى - لهم ، فيوقف على « شئ » وهو ضعيف . وكذا قوله :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ
، يحتمل أن يكون من كلام الجلود ، أو : من كلام اللّه - عز وجل - وهو الظاهر ، أي : وما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم ، ولو خفتم من ذلك ما استترتم بها ،
وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
من القبائح الخفية ، فلا يظهرها في الآخرة . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : كنت مستترا بأستار الكعبة ، فدخل ثلاثة نفر ؛ وثقفيان وقرشي ، أو : قرشيان وثقفى ، فقال أحدهم : أترون أن اللّه يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : سمع جهرنا ولا يسمع ما أخفينا ، فذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ . . .
الآية « 1 » ، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة . انظر أبا السعود .
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
؛ أهلككم ، ف « ذلك » : مبتدأ ، و « ظنكم » : خبر ، و « الذي ظننتم بربكم » : صفة ، و « أرادكم » : خبر ثان ، أو : ظنكم : بدل من « ذلك » و « أرداكم » : خبر ،
فَأَصْبَحْتُمْ
بسبب الظن السوء
مِنَ الْخاسِرِينَ
إذ صار ما منحوا لسعادة الدارين سببا لشقاء النشأتين .
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً
؛ مقام
لَهُمْ
أي : فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر ، ولم ينفكوا به من الثوى في النار ،
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
أي : يسألوا العتبى ؛ وهو الاسترضاء
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
؛ المجابين إليها ، أي : وإن يطلبوا الاسترضاء من اللّه - تعالى - ليرضى عنهم ، فما هم من المرضين ؛ لما تحتم عليهم واستوجبوه من السخط ، قال الجوهري : أعتبنى فلان : إذا عاد إلى مسرتى ، راجعا عن الإساءة ، والاسم منه : العتبى ، يقال : استعتبته فأعتبنى ، أي : استرضيته فأرضانى . وقال الهروي : إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم ، أي : لم يردهم إلى الدنيا ، أو : إن أقالهم وردهم لم يعملوا بطاعته ، كقوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة حم السجدة ، باب :وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ . .ح 4816 ) ومسلم في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، 4 / 2141 ح 2775 ) . ( 2 ) من الآية 28 من سورة الأنعام .