ووصفهم بقوله :
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ
أي : لا يؤمنون بوجوب الزكاة ولا يعطونها ، وهو إخبار بما سيقع ، إذ لم تكن الزكاة حينئذ مفروضة ، أو : لا يفعلون ما يكونون به أزكياء ، وهو الإيمان . وفيه تحذير من منع الزكاة ، حيث جعله من أوصاف المشركين .
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
أي : وهم بالبعث والثواب والعقاب كافرون .
والجملة : عطف على ( يؤتون ) داخل في الصلة . وإنما جعل منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة لأن أحب شئ إلى الإنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله في سبيل اللّه فذلك أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته ، وخلوص طويته ، وما ارتدت العرب إلا بمنعها .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
؛ غير مقطوع ، من : مننت الحبل : قطعته ، أو : غير ممنون به عليهم . وقيل : نزلت في المرضى والهرمى ، إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون « 1 » .
الإشارة : كان الرّسول - عليه الصلاة والسّلام - يدعو إلى الإيمان بالقرآن والعمل به ، وخلفاؤه من مشايخ التربية يدعون إلى تصفية البواطن ، لتتهيأ لفهمه والغوص عن أسراره ، وحضور القلب عند تلاوته ، فأعرض أكثر الناس عن صحبتهم ،
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ . .
إلى تمام الآية . فبقيت قلوبهم مغلفة بسبب الهوى ، ألسنتهم تتلوا وقلوبهم تجول في أودية الدنيا ، فلا حضور ولا تدبر ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، فإذا طلبوا من المشايخ - الذين هم أطبة القلوب - الكرامة ، يقولون ما قالت الرّسل : إنما نحن بشر يوحى إلينا وحي إلهام بوحدانية الحق ، وانفراده بالوجود ، فاستقيموا إليه بتصفية بواطنكم ، واستغفروه من سالف زلاتكم ، فإن بقيتم على ما أنتم عليه من الشرك ورؤية السّوى ، فويل للمشركين الذين لا يزكّون أنفسهم ، وهم بالآخرة - حيث لم يتأهبوا لها كلّ التأهب - هم الكافرون . إن الذين آمنوا إيمان الخصوص ، بصحبة الخصوص ، لهم أجر غير ممنون ، وهو شهود الحق على الدوام .
واللّه تعالى أعلم .
ثم وبّخهم على الكفر بعد بيان بطلانه ، فقال :
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 9 إلى 12 ]
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 )
هامش
( 1 ) قاله السدى فيما ذكره القرطبي ( 7 / 5961 ) .