تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ثم وعد أهل الحق بالنصر ، فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بالحجّة والظفر ، والانتقام لهم من الكفرة ، بالاستئصال ، والقتل ، والسبي ، وغير ذلك من العقوبات . ولا يقدح في ذلك ما يتفق لهم من صورة الغلبة ، امتحانا ؛ إذ الحكم للغالب ، وهذا كقوله تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا . .
« 1 » الآية ، وقوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
« 2 » . والنّصر في الدنيا إما بالسيف ، في حق من أمر بالجهاد ، أو : بالحجة والإهلاك فيمن لم يؤمر به ، وبذلك يندفع قول من زعم تخصيص الآية أو تعميمها ، وإخراج زكريا ويحيى من الرّسالة ، وإن ثبت لهما النبوة لقتلهما ، وأن الآية ، إنما تضمنت نصر الرّسل دون الأنبياء ، فإنه خلاف لما صرّح به الجمهور من ثبوت الرسالة ليحيى ، ففي كلام ابن جزى هنا نظر . قاله المحشّى .
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
أي : وننصرهم يوم القيامة ، عبّر عنه بذلك للإشعار بكيفية النّصرة ، وأنها تكون حين يجتمع الأولون والآخرون ، ويحضره الأشهاد من الملائكة وغيرهم ، فيشهدون للأنبياء بالتبليغ ، وعلى الكفرة بالتكذيب . قال النّسفى : الأشهاد جمع شاهد ، كصاحب وأصحاب ، يريد : الأنبياء والحفظة ، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب ، والحفظة يشهدون على بني آدم . ه .
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
: هو بدل من
يَوْمَ يَقُومُ
أي : لا يقبل عذرهم ، ومن قرأ بالتأنيث « 3 » فباعتبار لفظ المعذرة ،
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
أي : البعد من الرّحمة ،
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
أي : سوء دار الآخرة ، وهو عذابها . الإشارة : كما نصرت الرّسل بعد الامتحان ، نصرت الأولياء بعد الامتحان والامتكان . قال الشاذلي رضي اللّه عنه : اللهم إنّ القوم قد حكمت عليهم بالذلّ حتى عزوا . . إلخ . وهم داخلون في قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
،
هامش
( 1 ) من الآية 171 من سورة الصفات . ( 2 ) من الآية 21 من سورة المجادلة . ( 3 ) قرأيَوْمَ لا يَنْفَعُبالتذكير نافع ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وقرأ الباقون يوم لا تنفع بالتاء . انظر الحجة للفارسي ( 6 / 115 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 141 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان