تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ونصرتهم تكون أولا بالظفر بنفوسهم ، ثم بالغيبة عن حس الكائنات ، باتساع دائرة المعاني ، ثم بالتصرف في الوجود بأسره بهمته . قال القشيري : ويقال : ينصرهم على أعدائهم بلطف خفىّ ، وكيد غير مرئىّ ، من حيث يحتسب أو لا يحتسب ، كما ينصرهم في الدنيا على تحقيق المعرفة ، واليقين بأنّ الكائنات من اللّه . ثم قال : غاية النصرة أن يقتل النّاصر عدوّ من ينصره ، [ فإذا رآه حقق له ] « 1 » أنه لا عدو له في الحقيقة ، وأنّ الخلق أشباح ، وتجرى عليهم أحكام القدرة ، فالولىّ لا عدوّ له ولا صديق ، ليس له إلا اللّه . قال اللّه تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
« 2 » ه . والنّصر في الحقيقة هو التأييد عند التعرفات ، فإذا ابتلى الرّسول أو الولىّ أيّده اللّه باليقين ، ونصره بالمعرفة ، فيلقى ما ينزل عليه بالرضا والتسليم ، وتذكّر مالقى به الشاذلي حين دعا بالسلامة مما ابتلى به الرّسل ، متعللا بأنهم أقوى ، فقيل له : قل : وما أردت من شئ فأيّدنا كما أيدتهم . ه . ثم وعد نبيه بالنصر ، كما نصر موسى وغيره ، فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 53 إلى 56 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 54 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 55 ) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى
؛ ما يهتدى به من المعجزات ، أو الشرائع والصحف .
وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
أي : تركنا فيهم التوراة ، يرثه بعضهم من بعض ، أو : جنس الكتاب ، فيصدق بالتوراة والإنجيل والزبور ؛ لأنّ المنزّل عليه منهم . قال الطيبي : فيه إشارة إلى أن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي ، الناطق بالحكمة والموعظة . ه . حال كون الكتاب
هُدىً وَذِكْرى
أي : هاديا ومذكّرا ، أو : إرشادا وتذكرة
لِأُولِي الْأَلْبابِ
؛ لأولى العقول الصافية ، العالمين بما فيه ، العاملين به .
هامش
( 1 ) عبارة القشيري : [ فإذا أراد حتفه تحقق ] . ( 2 ) من الآية 257 من سورة البقرة .