تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
رد القضاء والقدر ، والتفويض : ألا يرى لنفسه ، ولا للخلق جميعا ، قدرة على النّفع والضر ، فيرى اللّه بإيجاد الموجود في جميع الأنفاس ، بنعت المشاهدة والحال ، لا بنعت العلم والعقل . وقال بعضهم : التفويض : قبل نزول القضاء ، والتسليم : بعد نزول القضاء . وقال ذو النّون حين سئل عنه : متى يكون العبد مفوضا ؟ قال : إذا أيس من فعله ونفسه ، والتجأ إلى اللّه في جميع أحواله ، ولم تكن له علاقة سوى ربه . ه . أي : لم يكن له تعلق إلا باللّه . فالمقامات ثلاث : التفويض قبل النّزول ، والرّضا بعده بالمجاهدة ، والتسليم بلا مجاهدة . وقوله تعالى :
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
هذه نتيجة التفويض ، فكلّ من فوّض أمره إلى اللّه فيما ينزل به ، وقاه اللّه جميع المكاره ، وكلّ ما يخشى ؛ إن قطع عن قلبه التعلق بغير اللّه ، كما هو حقيقة التفويض . قال القشيري : أشدّ العذاب على الكفار : يأسهم عن الخروج ، وأما العصاة من المؤمنين فأشدّ عذابهم : إذا علموا أن هذا يوم لقاء المؤمنين . ه . أي : وهم قد حرموا ذلك . ثم ذكر احتجاج الكفار في النّار ، فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 47 إلى 50 ]

وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ( 48 ) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) قالُوا أَ وَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله :
وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ
أي : واذكر لقومك وقت تخاصم الكفار في النّار ،
فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ
منهم
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
وهم رؤساؤهم :
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً
، وهو جمع تابع ، كخادم وخدم ، أو : ذوى تبع ، على أنه مصدر ، أو : وصف به للمبالغة ،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ
أي : فهل أنتم دافعون ، أو : حاملون عنا جزءا من النّار ؟
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها
، التنوين عوض عن المضاف ، أي : كلنا فيها ، لا يغنى أحد عن أحد . وقرىء ( كلا ) بالنصب « 1 » على التأكيد ، وهو ضعيف لخلوه من
هامش
( 1 ) قرأ بذلك ابن السميفع وعيسى بن عمر . انظر القرطبي ( 7 / 5937 ) والبحر المحيط ( 7 / 448 ) .