تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وقوله تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
: جملة مستأنفة ، مسوقة لبيان سوء العذاب ، والنّار : خبر عن محذوف ، كأن قائلا قال : ما سوء العذاب ؟ فقيل : هو النّار ، أو : بدل من « سوء » ، و « النار » : مبتدأ ، و « يعرضون » : خبر ، وعرضهم عليها : إحراقهم ، يقال : عرض الإمام الأسارى على السيف : إذا قتلهم به . وذلك لأرواحهم ، كما روى ابن مسعود : أن أرواحهم في أجواف طير سود ، تعرض على النّار - أي : تحرق بها - بكرة وعشيا ، إلى يوم القيامة « 1 » . وتخصيص الوقتين إما لأنهم يعذّبون في غيرهما بجنس آخر ، أو : يخفف عنهم ، أو : يكون غدوا وعشيا عبارة عن الدوام . هذا في الدنيا في عالم البرزخ ،
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يقال للخزنة :
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ
، من الإدخال الرباعي ، ومن قرأ : ادخلوا « 2 » ، ثلاثيا ، فعلى حذف النّداء ، أي : ادخلوا يا آل فرعون
أَشَدَّ الْعَذابِ
أي : عذاب جهنم ، فإنه أشدّ مما كانوا فيه . أو : أشد عذاب النّار ؛ فإنّ عذابها ألوان ، بعضه أشد من بعض ، وهذه الآية دليل على عذاب القبر في البرزخ ، وهو ثابت في الأحاديث الصحاح . الإشارة : النجاة التي دعاهم إليها : هي الزهد في الدنيا ، وفي التمتع بها مع الاشتغال باللّه . والنّار التي دعوه إليها : هي الاشتغال بمتعة الدنيا مع الغفلة عن اللّه . لا جرم أنّ ما دعوه إليه لا منفعة له في الدارين ، بل ضرره أقرب من نفعه . وقوله تعالى :
وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ
قال الورتجبي : [ مرد المحبين ] « 3 » إلى مشاهدته ، ومرد العارفين إلى الوصلة ، ومرد الكلّ إلى قضيات الأزلية . قال حمدون القصّار : لا أعلم في القرآن أرجى من قوله :
وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ
، فقد حكى عن بعض السلف أنه قال : الكريم إذا قدر عفا ، وإنما يكون مرد العبد إلى ربه إذا أتاه على أمد الإفلاس والفقر ، لا أن يرى لنفسه مقاما في إحدى الدارين ، وهو أن يكون في الدنيا خاشعا لمن يذله ، ولا يلتفت إليه ، هاربا ممن يكرمه ويبره ، ويكون في الآخرة طالبا لفضل اللّه ، مشفقا من حسناته أكثر من إشفاق الكفار عن كفرهم . ه . قلت : هذا مقام العباد والزهاد ، وأما العارفون فلا يرون إلا اللّه ، فيلقون اللّه باللّه ، غائبون عن إحسانهم وإساءتهم . وقوله تعالى :
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ
هكذا يقول الواعظ إن لم ينفع وعظه ، ويفوض أمره وأمرهم إلى اللّه ؛ فإنّ اللّه بصير بهم . وقال بعضهم : وأفوض أمرى في الدنيا والآخرة إلى اللّه ، فهو بصير بعجزي وضعفي عن
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 659 ) لعبد الرّزاق وابن أبي حاتم . ( 2 ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر ( ادخلوا ) بهمزة وصل ، وضم الخاء ، وقرأ الباقون بقطع الهمزة المفتوحة ، وكسر الخاء ، أمر للخزنة . انظر الإتحاف ( 2 / 438 ) . ( 3 ) ما بين المعقوفتين غير موجود في الأصول ، وأثبته من عرائس البيان للشيرازى .