تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
نزول الأقدار القهرية والبلايا على العبد ، رحمة عظيمة ، تتحقق بها العبودية ، التي هي شرف العبد ورفعته . وباللّه التوفيق . ثم ذكر بقية وعظ المؤمن ، فقال :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 38 إلى 40 ]

وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ الَّذِي آمَنَ
أي : مؤمن آل فرعون :
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ
فيما دللتكم عليه ،
أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
أي : طريقا يوصل صاحبه إلى المقصود . والرّشاد : ضد الغىّ ، وفيه تعريض بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغىّ والضلال .
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ
أي : تمتع يسير ؛ لسرعة زوالها ، فالإخلاد إليها أصل الشر ، ومنبع الفتن ، ومنه يتشعب فنون ما يؤدى إلى سخط اللّه . أجمل له أولا ، ثم فسّر ، فاستفتح بذم الدنيا ، وتصغير شأنها ، ثم ثنّى بتعظيم الآخرة ، وبيّن أنها هي الموطن والمستقر بقوله :
وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ
؛ لخلودها ، ودوامها ، ودوام ما فيها . قال ابن عرفة : التمتع بالدنيا مانع من الزهد ، وكون الآخرة دار مستقر يقتضى وجود الحرص على أسباب الحصول فيها . ه . ثم ذكر الأعمال التي تبعد عنها أو تقرب إليها ، فقال :
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً
في الدنيا
فَلا يُجْزى
في الآخرة
إِلَّا مِثْلَها
عدلا من اللّه تعالى . قال القشيري : له مثلها في المقدار ، لا في الصفة ؛ لأن الأولى سيئة ، والمكافأة حسنة ليست بسيئة . ه . وقال ابن عرفة : في توفيه مماثلة العذاب الأبدي على كفر ساعة تتصور المماثلة ، إما باعتبار نيته الكفر دواما ، وإما بأن يقال : ليس المراد المماثلة عقلا ، بل المماثلة شرعا . وفي الإحياء : قال الحسن : إنما خلّد أهل الجنة في الجنة ، وأهل النّار ، في النّار ، بالنية ، وهو - واللّه أعلم - مقتبس من قوله تعالى :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
« 1 » ه . قاله المحشى .
هامش
( 1 ) من الآية 44 من سورة إبراهيم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 135 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان