تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
لهم حتى يصلوا إليها ، وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم ، كما هي حال السجون ، بخلاف أهل الجنة ، فإنهم يجدونها مفتوحة ، قال تعالى :
مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ
« 1 » ، كما هي حال منازل الأفراح والسرور .
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
أي : أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من نعيم العقبى .
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
؛ أرض الجنة ، أي : المكان الذي استقروا فيه ، وقد أورثوها وملكوها . وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون [ تشبيها ] « 2 » بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه ، واتساعه فيها ،
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
أي : يتخذ كل واحد منا جنة لا توصف ، سعة وزيادة على الحاجة ، فيتبوأ أىّ مكان أراده من جنته الواسعة ،
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
في الدنيا الجنة .
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
حال كونهم
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
أي : محدقين به . و « من » لابتداء الغاية ، أي : ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء اللّه ، أو : زائدة ،
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
أي : يقولون سبحان اللّه ، والحمد للّه ، سبوح قدوس ، رب الملائكة والرّوح . أو : ينزهونه تعالى عما لا يليق به ، ملتبسين بحمده . والمعنى : ذاكرين اللّه تعالى بوصفى جلاله وإكرامه ، تلذذا ، وفيه إشعار بأن أقصى درجات العليين في لذائذهم هو الاستغراق في شهوده عز وجل .
وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يقوله أهل الجنة شكرا للّه حين دخلوها ، وتم وعد اللّه لهم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
كما قال :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 3 » . الإشارة : وسيق الذين اتقوا ربهم حق تقاته إلى جنة المعارف ، زمرا ، متفاوتين في السير ، على قدر تفاوتهم في القريحة ، والاعتناء ، والتفرغ من الشواغل والعلائق . حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ، بذهاب حجاب الكائنات ، حتى بقي المكوّن وحده ، كما كان وحده ، وجدوا من الأسرار والأنوار مالا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تحيط به الإشارة . وقال لهم خزنتها ، وهم شيوخ التربية ، العارفون اللّه : سلام عليكم طبتم ، أي : تقدستم من العيوب والأكدار ، فادخلوها خالدين ؛ لأن من وصل لا يرجع أبدا ، وما رجع من رجع إلا من الطريق . وقالوا : الحمد للّه الذي صدقنا وعده ، بأن أنجز لنا ما وعدنا من الوصول ، على ألسنة المشايخ . قال في الحكم : « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » .
هامش
( 1 ) من الآية 50 من سورة ص . ( 2 ) ما بين المعقوفتين ، ليس في الأصول ، وأثبته لاقتضاء السياق له . ( 3 ) من الآية 10 من سورة يونس .