الإشارة : كل من آثر شيئا أو أحبه سوى اللّه ، أو خافه ، يقال له : ادعوا الذين زعمتم أنهم ينفعونكم أو يضرونكم ، من دون اللّه ،
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ . . .
الآية . وأما محبة الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء فهي محبة اللّه ، لأنهم يوصلون إليه ، فلم يحبهم أحد إلا لأجل اللّه ، فتنفع شفاعتهم بإذن اللّه . وقوله :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ . .
إلخ ، قال الورتجبي : وصف سبحانه أهل الوجد ، من الملائكة المقربين ، وذلك من صولة الخطاب ، فإذا سمعوا كلام الحق ، من نفس العظمة ، وقعوا في بحار هيبته وإجلاله ، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه ، ولم يعرفوا معنى الخطاب في أول وارد السلطنة . فإذا فاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل عليه السّلام ، فهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة . ه .
ثم تتم قوله :
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
أي : لا من رزق ولا غيره ، فقال :
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 24 إلى 27 ]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 )
يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم :
مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : بأسباب سماوية وأرضية ؟
قُلِ اللَّهُ
وحده . أمره أن يقرّرهم ، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم ، أي : يرزقكم اللّه لا غيره ، وذلك للإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم ، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به ، لأنهم إن تفوّهوا بأن اللّه رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم ، وتؤثرون عليه من لا يقدر على شئ ؟
ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : ما نحن وأنتم على حالة واحدة ، بلى على حالين متضادين ، وأحدنا مهتد ، وهو من اتضحت حجته ، والآخر ضال ، وهو من قامت عليه الحجة . ومعناه : أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال .
وهذا من كلام المنصف ، الذي كل من سمعه ، من موال ومعاند ، قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك . وفي ذكره بعد تقديم ما قدّم من التقرير : دلالة واضحة على من هو من الفريقين على الهدى ، ومن هو في الضلال المبين ، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض ، ونحوه قولك لمن تحقق كذبه : إن أحدنا لكاذب ، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف .