تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
القدس ، فحيئنذ يحرس منه ، لقوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
« 1 » . وعباده الحقيقيون هم الذين تحرروا مما سواه ، فلم يبق لهم في هذا العالم علقة ، وهم المرادون بقوله تعالى :
إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
، وما سلّطه علهم إلا ليتميز الخواص من العوام ، فلو لا ميادين النفوس ، ومجاهدة إبليس ، ما تحقق سير السائرين ، أي : وما كان له عليهم من تسلط إلا لنعلم علم ظهور من يؤمن بالخصلة الآخرة ، وهي الشهود ، ممن هو منها في شك ،
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره عليها . وباللّه التوفيق . ولمّا كان تسلط إبليس جله من الشرك ، الذي زيّنه لهم ، رده بقوله :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 23 ) قلت : حذف مفعولى زعم ، أي : زعمتموهم آلهة تعبدونهم من دون اللّه ، بدلالة السياق عليهما . يقول الحق جل جلاله :
قُلِ
لهم
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : زعمتموهم آلهة ، فعبدتموهم من دون اللّه ، من الأصنام والملائكة ، وسميتموهم باسمه ، فالتجئوا إليهم فيما يعروكم ، كما تلتجئون إليه في اقتحام الشدائد الكبرى . وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته . وهذا تعجيز وإقامة حجة على بطلان عبادتها . ويروى أنها نزلت عند الجوع الذي أصاب قريشا . ثم ذكر عجزهم فقال :
لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
من خير أو شر ، ونفع أو ضر
فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ، وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ
أي : وما لهم في هذين العالمين ؛ العلوي والسفلى ، من شرك في الخلق ، ولا في الملك ،
وَما لَهُ
تعالى
مِنْهُمْ
؛ من آلهتهم
مِنْ ظَهِيرٍ
؛ معين يعنيه على تدبير خلقه . يريد أنه على هذه الصفة من العجز ، فكيف يصحّ أن يدعوا كما يدعى تعالى ، أو يرجوا كما يرجى سبحانه ؟ ثم أبطل قولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
« 2 » بقوله :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
تعالى في الشفاعة ، ممن له جاه عنده ، كالأنبياء ، والملائكة ، والأولياء ، والعلماء الأتقياء ، وغيرهم ممن له مزية عند اللّه . وقرأ
هامش
( 1 ) الآية 42 من سورة الحجر . ( 2 ) من الآية 18 من سورة يونس .